أزفت ساعة القدر وقَرُبَ الرحيل (المحدار) فتعالت اصوات الرجال واختلطت بهدير النياق وهي تنهض بالاحمال الثقيلة من على ظهورها. لطالما حاول زيد التشبث في عمه صالح الذي اعتاد المحدار (السفر ) الى الزبير٬ وسط معارضة شديدة من أمه،على الرغم ان اهل الطف قد اعتادوا على سفر صغار السن لكسب الرزق،مع ذلك فهي ترى ان زيد لا يزال صغيراً لم يبلغ الثالث عشر من عمره٬ فضلا عن كونه يتيم الاب.سأم زيد في كل مرة من صعود نفود الغضا مودعا القوافل فقرر الاحتجاج عن طريق الاختفاء في اليوم الذي سوف تغادر فيه قافلة عمه. الامر الذي جعل امه تعيش في قلق وتجوب الازقة تسأل عنه في الاماكن والبيوت التي يرتادها بحثا عنه . حينها كان زيد يهيم بلا وجهه بين البساتين مطأطأ رأسه تلافيا لاشعة شمس الضحى موقناً بأنه قد اصبح رجلا يافعا ولم يعد له مكان في فضاء الطف ولابد من تجرع ترياق الرحيل الذي كان دوما لا يفارق مخيلته الشعواء … فجأة سمع صوت فلاح ينادي وقد لاح خياله من بين الأشجار …
هيه يالي هناك … توقف زيد بعد ان اقترب منه رجل مسن ساقيه مقوستان يتأرجح في مشيه قائلا :
ماذا تفعل هنا …! لا شيء … ومن اين انت ؟ انا زيد الثريا … والنعم يا ولدي ولكن مالذي جاء بك الى هنا وفي هذا الوقت !
اردت السفر الى الزبير مع عمي فاعترض على ذلك من اعترض فشعرت بالضيق والكدر فوجدت نفسي هنا.
جلس الرجل ليستريح على جذع نخله مرمي على حافة الطريق وقال :
اسمع يا ولدي ارجع لاهلك وكرر المحاولة بدلا من الهروب الذي لن يجدي نفعا … ولكن ما الفائدة يا عم القافلة قد غادرت واذا فات الفوت ماينفع الصوت …
مهما يكن القوافل لا تنقطع عن الطف وبعض الامور مثل لحمة الحاشي تحتاج وقت وصبر حتى تستوي، ثم اخرج الرجل بضع تمرات سكري من كيس وضعها في يده المرتعشة وقدمها لزيد … وقال :
انت فكر في كلامي وانا خلني اشوف شغلي وراي سني والنهار قصير.
ثم نصرف الرجل وهو يجرجر خطاه … بينما بات زيد يفكر في كلامه من دون أي اهتمام يذكر، فالبضع تمرات قد سدت رمقه واعانته على الغياب عن البيت مدة أطول … مكث حتى صار الظل يزحف وبدأ الظلام يسود الاماكن وامست طرق النخيل اكثر وحشة. فاتجه الى النفود وصعد فوق أعلاها وجلس في حالة سكون ينظر الى الطف من علو يفكر في حال امه من جهه وفيما ينوي فعله من جهه اخرى ويستحضر في ذهنه كلام الرجل المسن.إندست الشمس خلف الافق فلم يعد امامه سوى العودة مرغماً الى البيت رأفة بحال امه التي لن تُغمض لها عين قبل ان يعود. فسار باتجاه البيت بعدما ادلهم الظلام فدفع الباب بهدؤ تام كمن يخشى ايقاظ طفل نائم، وجد حوي البيت فارغا مظلما ثم اطرق قليلا فسمع صوت شخب الحليب في الطاسه فمشى باتجاه ضؤء سراج منبعث من الحوش فوقف امام امه وهي منهمكة تحلب البقرة لدرجة انها لم تشعر بوجوده إلا بعد ان رمت بضفيرتها للوراء فنهضت ثم هوت عليه بصدرها وضمته بشده شعر ولاول مرة بقوتها الجسدية، بينما هو كان مسبلا ذراعيه متظاهرا بعدم الاكثراث بعواطفها، وبعد عناق وبكاء ودموع حاولت ان تعبر له عن حبها وحنانها بملاطفته بأصناف من الاطعمة على طريقة الكثير من الامهات. مكث زيد محجما عن الاكل والكلام وامه تتوسل اليه برقائق القول كجارية تتذلل الى سيدها ولكن بلا فائدة. ثم نطق قائلاً :
يمه ابا اروح مع عمي المحدار… صاحي انت يا زيد ..!
إلا صاحي واصحى من الصاحي ليه شايفتني بزر وإلا مانيب كفو..!
وضعت الملاس على القدر الذي كان البخار يتصاعد منه ثم تربعت واستدارت بجسدها اليه: وانا من تتركني له انت رجال البيت ؟
صحيح أنا رجال البيت على قولك بس الرجال ما يقعد في البيت مثل الحريم ..!
انت رجال وسيد الرجال بس انا ما استغني عنك يا ولدي ومن لي غيرك ..؟
عندك خوالي و عمامي وماهم مقصرين معك وانا كلها شهرين والا ثلالثة وراجع.
وكلما صعد الموقف واصرّ على الذهاب قابلته بالرفض٬ فكيف لولدها الوحيد يتيم الاب يغادرها وهو لم يبلغ الثالثة عشر من عمره. لكن زيد امعن في الطلب و اكثر من الالحاح و الرجاء فتحول الامر الى مواجهه علنية بينهما.فبعد مخاض طويل وبعد اخذ ورد كاد ان لا ينتهي خارت قواها ولم تعد قادرة على مواصلة الجدال٬ فنكست رأسها تبكي حزناً وأسى بينما زيد كان ينظر اليها وقد غشيت الدموع عينيه. فجأه سمعا طرق الباب فازاح الغمامة عن وجهيهما٬ انه صوت عمه صالح جاء ويودع ويطمئن على زوجة اخيه قبل ان يسافر مع القافلة٬فهرعت الى الباب و همست له وطلبت منه أن يثني زيد عن ذلك٬وبنبرة تحايل قالت :
شفت يا زيد حتى عمك اخر موعد سفر القافلة لكي يطمئن عليك .. عندها شاع الامل لدى زيد وترجل واقفا وخاطبهما بادب معجون بالصرامة قائلاً :
اسمع يا عم وانت يا امي انا قد عزمت وقررت السفر سواء معك او بدونك كما ان موافقة امي مسألة وقت …جلس عمه صالح على الارض واخذ فنجان قهوة..ايه ما يخالف بس اجلس وانا عمك نتفاهم، المحدار ليس بالغريب عليك ولا على اهلك٬ وانت ما شاء الله عليك رجل عقلك قد سبق سنك وانت اليوم اصبحت رجل البيت وعليك واجبات اتجاه امك واخوانك خصوصا بعد وفاة ابوك الله يرحمه … صحيح كلام عمك انا ما عندي مانع انك تروح المحدار لكن من يبقى لي بعد ما تروح … يا امي انت تعرفين منذ ان توفى الوالد واعمامي و خوالي ما يقصرون ولا يغيبون عن البيت يوم واحد… كذلك انت يا عم تسافر وتترك زوجتك واولادك الصغار …! ثم رفع اصبع السبابة قائلا :
اذا ما اروح السنة هذي والله اهج من هالديرة ولا نتم شايفيني إلا بعد ١٥ سنة ولا ادري لما اختار زيد ١٥ سنة بالتحديد ..! فتلقيا كلام زيد مذهولين وهما يعلمان ان هنالك البعض من فتيان الديرة قد فروا لسنوات والبعض منهم لم يرجعوا الى الان. نهظ عمه وقال : ها وشتقولين يا ام زيد الكذب خيبة انا ما عندي جواب؟ ثم صمت قليلاً وقال :
تعالي يا ام زيد ( ابيتس) في كلمة راس فابتعد عن زيد مسافة بحيث لا يمكنه سماع ما يقولان٬فمكثا في حديث مطول وكان عمه يلوح بيديه في التعبير عما يقول وزيد يتابع ويحاول جاهداً ترجمة حديث الاشارة ..! فاحس زيد بان هناك بصيص امل ودعم مستتر من قبل عمه … رجعا وبصوت جهوري فيه نبرة ختام و قال عمه :
ويش تقولين يا ام زيد؟
وشقول .. اذا انت يا عمه هذا كلامك اجل انا الي عندي جواب …!
اجل اسمعي يا ام زيد خلينا نتعوذ من الشيطان و نقصر الشر٬خلي زيد يجي معنا و ترى المحدار يعلم المرجلة ولا تخافين هناك في الزبير واحد من الجماعه عنده دكان وزيد يبي يشتغل عنده عقب ما يخلص من المدرسة وان شاء الله ما عليه خلاف وهذا رأي وانت بكيفك.
التفت زيد الى امه التي بدأت نبرات ردودها في التراخي فرمى بكل ثقلة لاستمالتها وقذف بآخر ورقة قائلا :
هل تريدين ان تكوني سببا في عقوقي .. !
لا ما عاذ الله ابدا يا ولدي إن شاء الله ما اكون انا سبب في عقوقك وانت ولد طيب بار ومحب لاهلك لكن تدري مادام الامور وصلت الى التقصير في جنب الله واذا كانت هذه رغبتك يا ولدي أمري لله يا زيد … واخيرا انتزع الموافقة وفاز برضاها على الرغم من كل التحذيرات واصوات المعارضة التي تلقتها من قبل قريباتها .ولكن زيد يُرجع الفضل في اقناعها الى مشورة ذلك الفلاح المسن.
جاء موعد الرحيل وودع زيد الطف متجهاً الى الزبير تاركا وراءه أمه التي اختلط في صدرها مشاعر الحزن بتأنيب الضمير … فمن يا ترى يحجب الشوق بعد غياب ابنها البكر ؟ فلقد ألمَ بها ألمٌ وحزن الفراق واجتمعن النسوة من حولها٬ فهناك من يلومها واخريات من تهون عليها وجع المصاب وهناك ايضاً من يصفها بالهبال فكيف تفرط في ولدها و هو في هذا السن.
انطلق زيد مع عمه الى الزبير والتحق بمدرسة النجاة الاهلية واستمر في العمل بعد الظهر في دكان واحد من الجماعه بسوق الجت بالقرب من مسجد البسام. تعلم خلال هذه الفترة فن البيع والشراء والتعامل مع الزبائن وضبط الحسابات. بعد مرور عامين استبدت به الرغبة في العودة الى السعودية بعد ان سمع بافتتاح ثانوية الدمام٬ شجعه على ذلك ان احد اقربائه يسكن هناك. سافر زيد الى الدمام بعد ان ودع صاحب الدكان الذي دس حينها في جيبه كيس ورقي بداخله نقود. اقام عند قريبة في الدمام ولكن بعد اقل من اسبوع شعر بنفرة قوية من مواصلة الاقامة عنده٬ فعلاقتهما تتسم بالتكلف على الرغم من الصلة الحميمية بينهما من جهة الام٬ ولكن بطبيعة الحال فتلك العلاقة قد املتها عليهما ظروف طارئة،خصوصا بعد ان علم عرضا بان هذا الرجل ليس لديه سوى اربع بنات معظمهمن في سن المراهقة.فشعر زيد بان وجوده في البيت سوف يكون نشازا٬ مما اضطره لسكن في شقة مع صديق له اسمه ناصر تلافيا للاحراج . التحق زيد على الفور بالمدرسة الاميرية في الدمام .


لا تعليق