تحميل…
  • 21/8/2022 شوهدت شهب في سماء حائل والقصيم والدوادمي والمدينة يعنقد بانها حطام لينزك وسمعت اصوات لانفجارات ولم يحدد مكانها
  • 1 اغسطس 2022 هطول امطار على الاحساء
  • 9 اغسطس 2022 امطار على سدوس والقرينة وضرما
  • 5 اغسطس امطار ورعود ضربت مدينة الرياض
  • 1 اغسطس امطار ورعود ضربت الرياض
  • 6 اغسطس 2022 سيول وادي حبونه تصل الى الربع الخالي
  • 15 اغسطس 2022 امطار و سيول مستمرة في المدينة المنورة منذ 12 يوم
  • 27 اغسطس 2022 امطار غزيرة وسيول على الامارات وعمان واليمن خلفت اضرار في الممتلكات
  • 28 اغسطس 2022 غيوم كثيفة على الرياض وبقية مناطق الممكة وتوقع هطول اممطار غزيرة ودرجة الحرارة العظمى 39
  • توفي العم عبدالعزيز بن عبدالوهاب بن صالح الموسى (أبو عمر) يوم الاحد 18/3/1427 عن عمر ناهز 69 عاماً رحمه الله تعالى
  • توفي الشاب محمد بن عبدالعزيز الموسى (الاول) في الثاني عشر من شعبان سنة 1410 وولد اخيه محمد (الثاني) في السابع من ذوالحجة سنة 1411
  • تاريخ ولادة الجدة مريم بن عبدالله بن عبدالعزيز العفالق سنة 1300 هجرية طبقاً لما كان يعرف حينها (تذكرة النفوس) رحمها الله تعالى
  • في صبيحة هذا اليوم السابع والعشرون من شهر يونيوه سنة 2022 رزق الابن راشد مولودة اسماها صيتة نسأل الله لها الهداية وان يجعلها قرة أعين لنا
  • توفي الرجل الكريم الوجيه الشيخ عبدالله بن محمد ال الشيخ في 30/3/1424 رحمه الله تعالى
  • توفيت الخالة دلال بن عبدالله الغردقة في الواحد وعشرين من شهر ذو القعدة سنة 1421 رحمها الله تعالى
  • تاريخ ولادة الجدة حبيبة بن عبدالله الغردفة سنة 1330 هجرية طبقاً لما كان يعرف حينها (تذكرة النفوس) رحمها الله تعالى
  • توفي الجد صالح بن محمد الكثير رحمه الله تعالى في فجر يوم عيد الفطر المبارك من عام 1376 هجرية
  • في تاريخ 28/12/1992 سجل الوالد في يومياتة اعلا معدل هطول امطار في يوم واحد حسب محطة غرب مطار الاحساء بلغت 91 ملم
  • حج الوالد عبدالرحمن الموسى (ابو عوف) لاول مرة عام 1363 هجرية وهي الحجة الاولى التي خرجت من الاحساء بالسيارات
  • العم محمد بن احمد بن عبداللطيف الموسى 1310-1406 رخمه الله تعالى
  • العم عبدالرحمن بن عبدالوهاب بن عبدالرحمن الموسى (العمدة) 1919-2006 رحمه الله تعالى
  • ومن عرف الايام معرفتي بها وبالناس ... روّى رمحه غير راحمِ
  • دخلت الكهرباء لاول مرة في بيتنا في حي العيوني في 22 محرم 1381 بتكلفة بلغت 560 ريال
  • العم الشيخ حسين بن عبدالرحمن الموسى رحمه الله تعالى 1285-1366
  • توفي ابن الخال الغالي عبدالرحمن بن سعد الغردقة في 23 سبتمبر 2021 رحمه الله رحمة واسعه
  • في 11 يناير 2020 توفيت امي (من الرضاعة) فاطمة الحادي رحمها الله رحمة واسعة
  • في الرابع من تشرين الثاني من عام 2020 رحل عنا الرجل النقي التقي الدكتور سعد بن عبدالله البراك رحمه الله رحمة واسعة
  • هطلت امطار غزيرة غير متوقعه في يوم الاربعاء 22 يوليو من عام 2020 على الرياض والاحساء وبعض مناطق المملكة
  • توفيت أمي هيا بنت صالح بن محمد ال كثير رحمة الله عليها الساعة 15 :3 من فجر يوم العاشر من شعبان لعام 1438 هجرية الموافق السابع من شهر أيار لعام 2017 ميلادية
  • #تلاوة من #القران_الكريم للوالد رحمه الله تعالى

الشيخ محمد بن احمد الموسى ١٣١٠ -١٤٠٦ ه

الشيخ محمد بن احمد الموسى

متعة التذكّر:

  الشيخ: محمد بن أحمد الموسى (١٣١٠ -١٤٠٦ هــ)

 

 

ســـــــيف الدولة:

 

نشأ العم الشيخ محمد – رحمه الله – يتيمًا في سنٍّ مبكرة؛ لهذا كان يُدعى اليتيم، كما كان والده أحمد بن عبد اللطيف بن سالم يتيمًا أيضًا.

وقد نُصِّبَ الجد أحمد بن عبد الله بن سالم الموسى وصيًّا على والد الشيخ محمد عام 1282هــ. كان جده لأمه الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله الوهيبي،  فجده لامه الشيخ عبدالله الوهيبي هو خال أبناء وبنات الشيخ عبدالله ابن الشيخ عبداللطيف ابن الشيخ عبدالرحمن ابن حسن ابن محمد ابن عبدالوهاب لذا فالشيخ عبدالله هو جد جد الملك فيصل.

هذا الشاب العصاميُّ لم يستسلم لليُتم؛ إذ بدأ يشق طريقه في الحياة، تحدوه الآمال الكبار وهو في مقتبل العمر. كان يجالس الوجهاء والكرماء الذين ينعشون لديه حب الكمال، وأخصُّ مجلس الشيخ عبد الرحمن الراشد، والشيخ محمد العجاجي، والشيخ حسين الموسى، حيث كان الأخير يتمتع بعلاقة وطيدة مع عبد الله بن جلوي الأمير القوي الذي كان يحكم أغنى أقاليم الحكم السعودي وأهمها-آنذاك- ألا وهي الأحساء.

أما العم الشيخ حسين الموسى، فقد رأى في هذا الشاب الحكمة والفطنة وحسن التدبير، فأسند إليه بعض المهام المسندة إليه أصلا من ابن جلوي، كرئاسة بعض لجان تسوية المنازعات بين الناس، وتقديم الرأي والمشورة التي تمليها الظروف في ذلك الوقت. وقد أثبت على الرغم من صغر سنه، بأن له قدرات غير عادية في حَلّ أصعب القضايا وأكثرها تعقيدًا، فذاع صيته بين الناس بمن فيهم ابن جلوي نفسه؛ لهذا اعتمدَ عليه مباشرة؛ فشقَّ طريقَه في بلاط الحُكَّام، وصناعة القرار.

وأما الشيخ محمد العجاجي – رحمه الله –  فقد كان –آنذاك- رجل دولةٍ وشخصيةٍ بارزة، ويرأس أملاك الدولة في الأحساء، التي كانت تُعدّ من أهم الروافد الأساسية لخزينة الدولة السعودية. وعندما تقدم في السن صدر أمر جلالة الملك رقم (5085) في 21 شعبان 1355هـ بتعيين الشيخ محمد بن أحمد الموسى مديرًا لأملاك الدولة في الأحساء.

يُنظر: الوثيقة (100) التي تمتد حدودها من الكويت إلى عمان.

 رأى العم الشيخ حسين الموسى في هذا الشاب الحكمة والفطنة وحسن التدبير، فبدأ يسند إليه بعض المهام المسندة إليه أصلا من ابن جلوي، كرئاسة بعض لجان تسوية المنازعات بين الناس، وتقديم الرأي والمشورة التي تمليها الظروف في ذلك الوقت. وقد أثبت على الرغم من صغر سنه، بأن له قدرات غير عادية في حل أصعب القضايا وأكثرها تعقيداً، فذاع صيته بين الناس بمن فيهم ابن جلوي نفسه، الذي بدأ في الاعتماد عليه مباشرةً، وبذلك بدأ هذا الشاب يشق طريقه إلى بلاط الحكام وصناعة القرار.

لقد كان الشيخ محمد العجاجي – رحمه الله –  آنذاك رجل دولة وشخصية بارزة ويرأس أملاك الدولة في الإحساء، والتي كانت تعتبر من أهم الروافد الأساسية لخزينة الدولة السعودية. وعندما تقدم في السن صدر أمر جلالة الملك  في 21 شعبان 1355هـ بتعيين الشيخ محمد بن أحمد الموسى مديراً لأملاك الدولة في الإحساء والتي تمتد حدودها من الكويت حتى عمان .

يُنظر الى الوثيقة (5085) و الوثيقة (100) على التوالي.

لقد تفانى الشيخ محمد في أداء عمله، مستندًا في ذلك على خبرات متوارثة وعلى ما وهبه الله من حكمةٍ استطاع من خلالها، تحويل أملاك الدولة الى استثماراتٍ واعدة؛ لها عوائد مالية، ساهمت في إمداد الدولة برافدٍ اقتصادي، كانت الدولة محتاجة إليه؛ إذ قد كان اكتشاف البترول ما يزال يحبو في بداياته، وقد أشاد بذلك الوزير عبد الله بن سليمان؛ مُثنيًا على خُطّته، التي استند فيها على المرونة في التعامل مع المزارعين، إذ منحهم فرص استئجار أملاك الدولة، وتنميتها، وقدم لهم الدعم اللازم؛ فكانت النتيجة ازدهار القطاع الزراعي في الأحساء، فاستفادت منها الحكومة والمواطنون على حدٍ سواء.

يُنظر: الوثيقة (70)

وعلى إثر ذلك عُيِّنَ عضوًا في مجلس بيت مال الأحساء؛ للاستفادة من خبراته، مع بقاء منصبه في رئاسة أملاك الدولة.

يُنظر: الوثيقة (75)

 

لفتت الأعمال الجليلة التي قام بها الشيخ محمد، انتباه العديد من المسؤولين، وأصحاب القرار، فقد نوه بذلك الشيخ صالح إسلام- مدير مالية الشرقية- في خطابه المُوثّق، مُثنيًا فيه على إخلاصه، وعلى النتائج التي حققها في فترة رئاسته لأملاك الدولة.

يُنظر: الوثيقة (93)

كما أُعجِبَ به زكي عمر -مدير مالية الاحساء-، وقد نشأت بينهما علاقة خاصة وصداقة حميمة استمرت طوال حياتهما. وقد عُرف عن زكي عمر، بأنه كان مثقفًا بشتى حقول المعرفة، واتخذ له -في جدة- صالونًا ثقافيًا، انتقل –لاحقا- إلى القاهرة، وهي الوجهة التي أمضى فيها بقية حياته. وقد زاره الشيخ محمد في القاهرة برفقة وجهاء من الأحساء، من بينهم العالم الجليل الشيخ محمد بن عبد الله العبد القادر، وكان يرتاد مجلسه كبار المشايخ من الأزهر، والمثقفين من أصحاب الفكر والقلم.

يُنظر: الوثيقة (40)

 

   

لقد أسس داخل عائلة الموسى بيتًا يشبه بيت الإمارة، من حيث الوجاهة والشهرة، فأصبح هذا البيت -في ذلك الوقت- الواجهة الوحيدة لعائلة الموسى، بل واجهة للأحساء قاطبة. هذا البيت الجليل خدم عائلة الموسى فردًا فردًا من خلال تطلعاتهم وهممهم العالية، وتضحيتهم بالمال والوقت، من أجل رفعة مكانة أسرتهم التي نقلوها من المحلية؛ لتصبح معروفة على نطاق واسع، بل في طليعة الأسر البارزة في المملكة. ولكن هذا لا يقلل من دور العديد من رموز الأسرة الأجلاء ممن كان لهم دور فعال ومؤثر في الفترات التي عاشوا فيها.

لم يكن – رحمه الله – مجرد شخصية اجتماعية عادية، بل كان رجل دولة، له هيبة الحاكم، ودهاء الحكيم وجاه السلطان. ولا عجب، فحتى الملوك قصدوه، وزاروه في بيته؛ لِمَا له من أهمية ومكانة بين الناس، لا يستطيع أي إنسان مهما كان إلا أن يقف أمامها بكل تقدير وإجلال.

حتى الشارع الذي يسكن فيه سُمي بشارع الموسى نسبةً إليه. لقد اكتملت فيه جميع عناصر الوجاهة، ومن السهل على أي شخص أن يستشفها بمجرد النظر إلى هيئته العالية ذات الفخامة، وخطواته المتأنية والواثقة، وكلامه القليل الموزون، ونظراته الآمرة والتي كانت كفيلة بأن توصل ما يريد قوله …! عندما تنظر إليه يخيل إليك بأنه سيف الدولة الذي وصفه المتنبي في أشعاره.

لقد كوّن الشيخ محمد بن أحمد إرثًا عائليًا مُشرفًا، حري بنا جميعًا أن نحافظ عليه، ليكون حافزًا لنا وللأجيال القادمة.

 

زيارة ملكية :

زار الملك سعود الأحساء، للمرة الأولى عام 1954م، فأقام له الأهالي حفلًا كبيرًا في عين أم سبعة، ألقى كلمتَه الأستاذ الفاضل عبد الله الرشيد، وكان أعضاء اللجنة المنظمة للحفل هم: الشيخ محمد، والشيخ عبد الله الشهيل، والشيخ حمد الجبر، وقد أنشد العالم الجليل الشيخ محمد آل عبد القادر أبياتًا، عبرت عن أجمل وصفٍ لهذا الموقف:

بوادر الخير من يمناك تبتدر           لا أم سبعة ولا النيل الذي ذكروا

آل السعود على حافتها نزلوا            سعود نجم تليه الأنجم الزهرُ

فماؤها واصفرار الشمس يصبغه      كخدود غيد علاها الورس والخفر

 

وقد كرر الملك سعود الزيارة عاميْ 58 و59م، وحلّ في كلتا الزيارتين ضيفًا في منزل الشيخ محمد، فكانت الترتيبات لهذه الزيارة على قدمٍ وساق. وقد كان نصُ الكلمة الملقاة على مسامع الضيف الكبير، من أهم الأشياء التي يتوجب التحضير لها بشكل متقنٍ، فالتفتَ الشيخُ محمد- آنذاك- ببصره وبصيرته في مَنْ حوله، فلم يجد أحدًا مؤهلًا لهذه المهمة الصعبة والحساسة! سوى عبد الرحمن الموسى (أبو عوف) فهو مهتم بالأدب والشعر منذ نعومة أظفاره، ولديه إلمام بعلوم اللغة والقرآن، فكلّفه بكتابة الكلمة، واختار ابنَه عبد العزيز؛ لإلقائها –وقد كان حينها شابًا يافعًا وسيمًا لماحًا وذا طلعة بهية-. استهل النص –كالمعتاد- بالأبيات التالية:

على الطائر الميمون يا خير قادم               وأهلا وسهلا بالعلا والمكـارم

قدمــــت بحمد الله أكرم مــــقدم                مـدى الدهر يبقى ذكره في المواسـم

وكالمعتاد لم تخلُ تلك الزيارة من بعض الفكاهة والمرح!؛ فلأبي عوفٍ صديقان حميمان هما: العم الشيخ أحمد الموسى (أبو طارق)، والعم محمد بن عبد الوهاب الموسى (أبو خالد)، عاشا معه ترهات الحياة، عندما كان الشباب مَطيّة اللعب، ومُسهّل الصعب؛ فقد وجد الاثنان في كتابة أبي عوفٍ للكلمة؛ فرصةً وصيدًا سمينًا للتندر عليه، وأخذا يُراقبانه عن كثب، وهو جالس في إحدى زوايا المجلس منهمكًا في كتابة مسودة الخطاب، بينما جلسا في الناحية الأخرى، يتهكمان عليه تارة ويعلقان تارةً أخرى، فضاق ذرعًا بهما، وما هي إلا لحظات وبدأ التراشق بينهم، فطفح الكيل بأبي عوف بعد أن ضجّ المكان بالسخرية والضحك على هذا النص الخطابي. فتارةً يصفونه بالممل والمكرر، وتارةً يعيرونه بأن ليس في جعبته سوى ترديد تلك الأبيات العثمانية البالية التي عفا عليها الزمن، وأصبحت مقدمةً لكل خطاباته. أما أبو عوف فكان يحاول جاهدًا وبلا جدوى الرد عليهما، وفي الوقت نفسه تجميع أفكاره التي شتتتها تعليقاتهما. وأخيرًا بلغ به السيل الزبى، فرمى بالقلم وغادر المكان تاركًا الخطاب ملقىً على الأرض، متهماً كلًا منهما، بأنه هو السبب وراء تعطيل كتابة النص. إلا أن هناك على الجانب الآخر، شخصًا آخر يقوم بمهمة في غاية الأهمية…! ألا وهو فهد الحادي -رحمه الله- ذلك الرجل الأنيق الذكي، الذي كان يطوف عليهم بين الحين والآخر، مسترقًا السمع، وهو سريع في نقل الأخبار، على غرار هدهد سليمان…! وعلى الفور يدنو من الشيخ محمد خلسة، وبكل لباقة يصب الخبر في أذنه ويقول له: “إن أبا عوف قد توقف عن الكتابة وغادر المكان، لِمَا تعرض له من سخرية من قبل أحمد ومحمد”، فينادي الشيخ محمد عليهما غاضبًا فينهال عليهما بسيل من التوبيخ والتأنيب، متوعدا بالويل والثبور وعظائم الأمور، لتعطيلهما كتابة الخطاب. ثم يتصل بأبي عوف طالبًا منه الاستمرار، فيستجيب دون تردد، ويعاود الكتابة. ويتكرر هذا السيناريو عدة مرات، وفهد الحادي يؤدي نفس الدور! ويبدو أن أبا عوف أعد خطة دفاعية لمواجهة هذا الموقف، فكلما راق له أن يرى الشيخ محمد “يغسل شراعهما” تظاهر بالزعل وتوقف عن الكتابة…! وهكذا دواليك يستمر الوضع بين مد وجزر، وفي النهاية اكتمل ذلك الخطاب الذي أثنى عليه الملك، وعلى الشاب المتألق الذي قرأه على مسامعه.

 

وثيقة تاريخية :

كان الشيخ ياسين بو خمسين -رحمه الله- رجلًا ثريًا ومعروفًا في الأحساء، لديه بستان مجاور لأحد بساتين الأمير عبد الله بن جلوي -أمير الأحساء آنذاك- فشعر ذات يوم في عام 1355هــ بالظلم؛ لعدم حصوله على الحصة التي يستحقها من مياه الري، والسبب في ذلك أنها قد ذهبت إلى جاره (ابن جلوي) الذي -كما يقول- ظفر بحصة الأسد من الماءِ على حسابه. فلم يجد الشيخ ياسين أمامه سوى أن يشكو حاله إلى ابن جلوي، الذي على إثرها أصدر خطابًا في غاية الأهمية والحساسية، بل ليس من المبالغة القول بأنه يستحق أن يُدرج ضمن المواثيق المهمة في تاريخنا المعاصر. فالخطاب عبارة عن أمر بتكوين لجنة بعضوية كل من: الشيخ عبد الرحمن الراشد، والشيخ محمد الموسى، والشيخ حسين العرفج، وآخرين؛ للنّظر في الخصومة التي بينه وبين الشيخ ياسين، كما حثهم في الخطاب بتوخي العدل، والأمانة، والحكم بما يرضي الله سبحانه وتعالى.

يُنظر: الوثيقة (9)

لقد كانت السلطة القضائية –عام 1355هـ – حديثة النشأة، مما يجعل حكّام الأقاليم يعتمدون على رجال من أهل الرأي والحكمة والنزاهة في حلَّ المنازعات بين الناس، وذلك بتكوين لجانٍ يُحَدّدُ أعضاؤها بعناية فائقة من قبل الحاكم. شَرعت تلك اللجنة بالنظر في هذه القضية غير المسبوقة في تاريخ الدولة السعودية، -وهي قد تستدعي حفيظة المنقبين عن وقائع تاريخية مماثلة- فوجد الأعضاء أنفسهم أمام مشكلة عويصة، أو كمن يحاول نزع فتيل قنبلة موقوتة…! فكان هاجسهم، أن قول الحق سيجلب عليهم سخط ابن جلوي المعروف بالصرامة. بل إن أكثر ما أستأثر باهتمامي، هو أن يأمر حاكمٌ عربيٌ -إبان ذلك الزمن الماضي- بالشروع في محاكمةٍ يكون هو طرف فيها، والطرف الآخر أحد رعاياه…! ليس ذلك فحسب، بل إن الحكم الذي توصلت إليه اللجنة جاء ضد ذلك الحاكم -أي ابن جلوي-…! وكان ذلك عندما وجد أعضاء اللجنة أن وثيقة الملكية تنص على أنَّ البُستانيْن كانا أصلًا بُستانًا واحدًا من أملاك ابن ماجد، الذي باع نصفه لابن جلوي، والآخر لياسين، وقسّم الماء بينهما بالتساوي حسب ما ورد في الصك.

يُنظر: الوثيقة (9)

كما أن هذا الموقف يُعدّ صفحة بيضاء، ومشرقة في سجل هؤلاء الرجال أعضاء اللجنة؛ لشجاعتهم في الوقوف إلى جانب الحق. فالشيخ عبد الرحمن الراشد لم يكن كأحدٍ من سائر الناس، بل كان وجيهًا من الطراز الأول، ويُعتد به وبآرائه السديدة على نطاق واسع، فقد أسس لنفسه ثروة طائلة وأيضًا مكانة اجتماعية مرموقة بإصراره وصبره وكفاحه الدؤوب. كذلك الشيخ حسين العرفج، الذي كان فارع الطول، عظيم الجثة وضخم الأطراف، ويتمتع بالدهاء وبسعة الحيلة وأيضًا بالدعابة، وخفة الظل. هؤلاء الرجال الأخيار ضربوا مثلًا رائعًا في حمل الأمانة، وتحقيق العدالة، وبعد النظر، كذلك الشيخ ياسين لشجاعته وإصراره على الوقوف في هذا المأزق الخطير في زمن كان البعض يعد مجرد الوقوف أمام ابن جلوي أشبه بالوقوف امام سيّاف في مهمة قصاص.

 

وثيقة تاريخية (9)

 

إذا كان ما أقدم عليه ابن جلوي في يوم 25 جمادى الأولى من عام 1355 هـ هو بدافع تحقيق العدالة الاجتماعية بين الناس، ولم يكن مجرد حادثة تاريخية انتقائية، أو من النوادر المتقطعة في سجل حياته الحافل بفرض السيطرة، فنحن إذًا بصدد وثيقة في غاية الأهمية، يستحق صاحبها التبجيل كما ينبغي، لسيطرته الشخصية على ذاته، ولإصراره على أن تأخذ العدالة مجراها ولو كان على نفسه. فلم يُعرف هذا الرجل -عند العامة- بالعدل بقدر ما عُرف باستخدام أقسى درجات العنف ضد المخالفين لأوامره، وبتغليب الشبهة مكان اليقين، معتمدًا على الحدس العقلي الذي غالباً ما يفضي إلى نتيجة مؤداها التسرع في الحكم والمبالغة في العقوبة، فالزيادة والنقصان والكثرة والقلة هي التي تفسد الأشياء، إذا لم يكن بينها برزخٌ يحفظ لها الاعتدال بوجه عام. فتداعيات تلك الأمور قد جيشت النفوس ضده، فشاعت -في عصره- قصص وحكايات تشبه الإسرائيليات، اختلط فيها الصدق مع ما سواه. فمن المرجح أن سجله قد خلا من حادثة ظلم بواح واحدة، هذا على اعتبار أن ما ينتج عن التسرع والمبالغة في العقوبة ليس ظلماً متعمدًا! بقدر ما كان وسيلة ردع. علمًا بأن الظلم قد يقع حتى بين الأتقياء، ناهيك عن حاكم يريد بسط الأمن في محيط مضطرب. ولكن ينبغي أن نُشير وبإلحاح إلى الظروف السياسية والأمنية في تلك الفترة، التي كانت تعصف بإقليم الأحساء من كل جانب، متمثلة في جهات كانت تصارعه على السلطة حفاظًا على كيانها القبلي، وأخرى ترى في السلب والنهب طريقًا وحيدًا لطلب الرزق مقابل شعب فاقد الأمن، وأصحاب مصالح وأملاك يريدون حمايتها. فربما تلك الظروف مجتمعة قد ألقت بظلالها على طريقته في التعاطي مع الأمور؛ لذا لا ينبغي أن نسقط عليه فهمنا الحالي لقيم العدل والتسامح من دون أن نضعها في إطارها العام لعصره وبيئته. فثمة شيئان رئيسان في سيرته، ومن الصعب الاختلاف حولهما، الأول: أنه لم يجمع ثروة، والآخر: لم يكن يحابي أحدًا على حساب أحد، فالناس عنده سيان. قال أبو حامد الغزالي: “أمهات الأخلاق وأصولها أربعة: الحكمة والشجاعة والعفة والعدل” فهل غابت الحكمة عن بطل من ابطال المصمك …! هذا مجرد رأي وليس موقفًا، ولعلني ذهبت فيه مذهب من يريد التوضيح لا مذهب من يريد الغلبة والجدال. ولكن المدهش في الأمر كيف لحدث بهذا الحجم أن يثير فينا هذا القدر الضئيل من الاهتمام…! بل كاد أن يتوارى من أرشيف الذاكرة ويسقط في بحر النسيان. رحم الله ابن جلوي رحمةً واسعة وجميع أولئك الرجال.

 

 

المربوع:

لما كانت الدولة السعودية الثالثة حديثة النشوء ومنهكة بفعل الحروب التي خاضها الملك عبد العزيز من أجل توحيد الأقاليم المترامية الأطراف، وتراجع عائدات الحج بسبب الحرب العالمية الثانية؛ فقد شَحّت الموارد، لدرجة أن الحكومة ضغطت على حكام الأقاليم للبحث عن مصادر أخرى للمال، وقد كان المأمول من الأحساء أن تأتي بحصة الأسد؛ لهذا كان الضغط على ابن جلوي أكثر من غيره؛ فأقرَّ نظامًا للضرائب من خلاله يتوجب على أصحاب الأملاك دفع ضريبة أربع مرات في السنة والذي عرف في ما بعد بـ(المربوع) الأمر الذي أثقل كاهل الناس، حيث لم يخفِ الكثير منهم شعوره بالضيم والتذمر، مثل عائلة الخليفة الثرية والمعروفة في المبرز، وغيرهم ممن جاؤوا للشيخ محمد يناشدونه التدخل لوضع حد لهذا الأمر، وأنه لم يعد أمامهم سوى تسليم أملاكهم للدولة. فحضروا عنده وسمع منهم شكواهم وأبلغهم بأنه مدرك تمام الإدراك لحجم المشكلة التي يعانون منها هم وغيرهم من أصحاب الأملاك، أيضاً مدرك بأن البلد برمتها أصبحت على موعد مع كارثة اقتصادية، فوعدهم خيرًا، وذهب لمقابلة ابن جلوي – ذلك اللقاء الذي يتمنى كل إنسان الخلاص منه بأي ثمن! فما بالك بمن يأتيه ليطلب منه التراجع عن أمر هو أساسًا قد أقره…! – فقدم إلى مجلسه المهيب، ذلك المكان الذي يكاد فيه الناس أن يسيروا على أطراف أصابعهم خشية أن تخدش خطواتهم هيبة المكان. فجلس بجواره وهو يكاد يحبس أنفاسه، محاولًا أن يصوغ في ذهنه أقوالًا، أو مستغلًا أدنى انفراج في مزاجه؛ لجره إلى مشاعر أفضل تجاه ما ينوي أن يقوله، فطال انتظاره ولم يكن هناك مجالًا لأي مجاملات تخترق الصمت. ثم اتجه إليه وسلمه السجل قائلاً له “إن الناس لا يستطيعون تحمل تبعات وأعباء المربوع، وإذا استمر الوضع كما هو عليه، فمن المؤكد أن الناس سيخسرون معظم أملاكهم” فاشتعلت عيناه غضبًا واحتقن وجهه وتهدج صوته من شدة الغيظ، ثم ران الصمت للحظات، فهب واقفًا وأمسك بالسجل ورماه باتجاه الشيخ محمد، ثم التفت إليه بنبرة نهائية تنم عن نفاد الصبر قائلًا: “تصرف كيفما تشاء …!” أي أنني قد تراجعت عن قراري بشأن “المربوع” وبذلك وضع الشيخ محمد نهاية لهذه الضريبة الجائرة، وخلص البلد منها إلى الأبد. كما أنَّ هذا الموقف يسلط الضوء على جانب مجهول في شخصية ابن جلوي، وهو تراجعه عن رأيه من أجل هدفٍ سامٍ، ألا وهو دفع الضرر عن الناس. فكما يقال: “الحكماء فقط هم الذين يغيرون آرائهم إذا لزم الامر”.

 

المسألة الشيعية :

عُرفت المجالس في الأحساء قديمًا، كمرآةٍ لتوجّهات أصحابها، ومكانتهم الاجتماعية؛ لهذا عُرف العديد من رموز عائلة الموسى من خلال مجالسهم وعبر تاريخهم الطويل في الأحساء، بقدر ملحوظ من الممارسات المبنية على التسامح فيما يخص المسألة الشيعية. فعلى الرغم من الاختلاف الطائفي والتعدد المذهبي الذي تزهو به الأحساء، بقي الوضع السائد بين السنة والشيعة إبان تلك الفترة، مرضيًا إلى الحد الذي يكفي إلى تهدئة النفوس. وهذا بطبيعة الحال لا ينفي وجود الحاجز المذهبي، الذي لا يكاد يطفو على السطح، إلا في بعض المناسبات الدينية مثل عاشوراء وغيرها. بينما في المقابل بقي الحاجز الاجتماعي كخط وهمي يظهر ويختفي تبعًا لمناطق السكن، صحيح أن لدى الناس ميلًا إلى التقوقع الجغرافي حسب انتمائهم الطائفي، فيبدو -للوهلة الأولى- كأنه نوع من الفرز الاجتماعي، إلا أنه في حقيقة الأمر ليس كذلك. وعلى أي حال، فثمة شيء ما بدواخلهم محاطًا بسياج، ساهم في وضعه المناخ السائد والمقبول آنذاك، فلا غرابة فهم أقلية في دولة سنية…! فالرضا من عدمه يتأرجح، بقدر مداراتهم لذلك السياج الذي نصبوه حولهم. ولكن بوجه عام كانت العلاقات والمصالح بين الجميع مشتركة ومتشابكة، تمليها عليهم الحاجة التي تجمعهم وقلما تفرقهم.

أرشيف ذاكرتي حافل بالشواهد على ذلك، فأختي الكبرى تعلمت القرآن على يد المعلمة الشيعية فضة، وكانت معظم الطالبات من السنة، كذلك كان السيد ياسين الموسوي معلمًا فاضلًا، ورجلاً خيّراً، تعلم على يديه العديد من أبناء السنة، وقد استعان به الشيخ عبد اللطيف العفالق في تدوين علم الفرائض. كما كنت أشاهد عبد المحسن المحيسن يحضر كل يوم جمعة قبل الصلاة في مجلس خالي محمد الكثير، وكان لدى الخال العديد من الأصدقاء الشيعة، يمازحهم ويمازحونه، بطريقة فيها الكثير من الجرأة والمرح، والقليل من الجد والحساسية. ومن الطريف أن الخال دُعي إلى الحسينية في أيام عاشوراء، وكان الشيخ يخطب بلهجة عراقية مع العلم أنه أحسائي، فالتفت الخال إلى الحاضرين مستنكرًا: لماذا يتبغدد علينا هذا الرجل؟ أي يخطب بلهجة عراقية؟ فرد عليه أحدهم “لكي يدخل الإيمان في قلبك” فضحك الجميع وهو أولهم، واستأنفوا سماع الخطبة وكأن شيئًا لم يحدث، فكما يقال “بين الأصحاب يسقط العتاب”. ولست أنسى دكان الرجل الطيّب أبي كنّان الذي يحلو له أن يشاكسنا بإضافة قرشين إلى قيمة قارورة (الببسي)، التي ثمنها نصف ريال، فعندما تسأله عن السبب؟ يقول: “القرشين يصملون النصف ريال”. أيضًا بين الحين والآخر نذهب إلى الخياط حسين البراهيم المعروف بالشبيبي، ولم نكن ندفع له كما يقال على الطربيزة، بل يسجلها في أرشيفه الذهني، فذكاء هذا الرجل مكّنه من اجتياز امتحان سنوات المتوسطة الثلاث في سنة واحدة! وأذكر جيدا بأن زملاءنا الشيعة في الثانوية يدعوننا إلى الحسينية أيام عاشوراء، وكنا نذهب ولم نسمع ما يخدش مشاعرنا. وكنا نذهب في رحلات مدرسية إلى الرياض فيتعاملون معنا على أننا جميعًا شيعة…! ولم نكن نفلح في جرهم إلى تقبّل أن الأحساء هي خليط من السنة والشيعة. أما دكاكين الصاغة فكانت منتشرة في زوايا السوق، فهؤلاء حرفيون ماهرون، كذلك عرفوا بحس دعابة متطور. يقال إن أحد الوجهاء الأغنياء ذهب إلى صائغ بغرض شراء حلي بمناسبة قرب زواج ابنته، فرحب به الصائغ، وأراد أن يظهر له مدى اهتمامه، فنادى أحد أبنائه وطلب منه أن يُحضر كأسَ زُجاجٍ ثمينة؛ ليقدم فيها الشاي لضيفه المهم، وقبل أن يذهب الولد أمسك به وضربه وحذره من كسر الكأس، فقال له الضيف مستنكرًا، لماذا ضربت الولد وهو لم يكسر الكأس بعد؟ فالتفت الصائغ إليه قائلًا: “أحسنت ما الفائدة من ضربه بعد أن تنكسر الكأس…!”

 

ومما يثير الاستغراب بأن هذا البلد بتاريخه الطويل، قد نجح -لعدة مرات- في الانسحاب من الخطر، وفي التعافي من أزمات لها أسباب، ودواعي مختلفة. فلست هنا معنيًا بالخوض في كل الأسباب التي أدت إلى تجاوز هذا البلد لتلك الأزمات، فهي ليست موضوعي، ولكني أزعم بأن السبب الرئيس يعود إلى تضافر جهود العديد من الرموز السنية والشيعية المؤثرة في المجتمع آنذاك. بيد أن هؤلاء الرجال عاشوا في فترات زمنية هي بمنأى عن الفتن الطائفية الحقيقية، فالحياة -كما أسلفت- كانت بسيطة وأقل تعقيدًا مما هي عليه اليوم، فعلاقات الناس كانت تسير بطريقة طبيعية مع استثناءات طفيفة لا تكاد تذكر. لكن هؤلاء الرموز قد تراخى تأثيرهم وتراجع دورهم اليوم، بسبب ظهور المؤسسات الأمنية والمدنية، كذلك الانفتاح على العالم الخارجي، وإن كان التصاق الشيعة برموزهم الدينية أكثر مما عليه السنة وذلك بسبب طبيعة المذهب.

 

استيقظ الناس ذات يوم وهم على أعتاب الثمانينيات من القرن الماضي، وإذا بالأزمة تُطل برأسها على البلد، فبادر البعض إلى التعامل معها على أنها خطر قادم يحمل في طياته بعدًا خارجيًا، على الأقل هذا ما يحلو لطرف أن يدعيه ضد الآخر، مستشهدين بأقوال وأفعال من هنا وهناك. فساد لدى هؤلاء شعور بأن الثورة الإيرانية أحدثت تيارًا قويًا في شتى أرجاء المنطقة، واعتبروا أن الأحساء من المناطق التي تسرب إليها قدر ملحوظ من جراء ذلك التأثير، فتولّد لديهم انطباع بأن إيران لا ترى العالم وفقًا لمصلحتها السياسية بل وفقًا للتقسيم الطائفي…! فداهم الناس خوف مبني على تكهن أحداث مستقبلية، تبين فيما بعد أنها لم تحدث…! كالحديث عن تصدير الثورة، وعن منظمات سرية هدفها زعزعة الوضع القائم. والأخطر أن البعض منهم صعّد الموقف إلى حد التشكيك في الولاء. هذا الفريق لديه أسبابه، التي ربما حازت على القبول لدى الأغلبية السنية. تلك الأسباب -بطبيعة الحال- قد رفضها الطرف الآخر، والذي بدوره أرجع أسباب الأزمة إلى التضييق على كل من الحرية المذهبية والحقوق المدنية، وبالطبع حازت رؤى هذا الفريق أيضًا على القبول عند الأغلبية الشيعية، وبنفس الطريقة وجهوا أصابع الاتهام إلى تيار آخر دخيل، قد هب قادمًا من غرب الأحساء…! جلب معه أراء منفرة، وتزامن أيضًا مع زخم سلفي قادته سفينة الصحوة، وأذكته كرامات الجهاد في أفغانستان. حينها تكاثفت سحب سوداء، منذرة بهبوب أعاصير عاتية، فاحتقن الجو العام بنظرية المؤامرة. وبطبيعة الحال العقل الجمعي قد يستجمع أكثر التفاصيل تفاهة؛ ليبني منها نظرية متماسكة ومفصلة عن سبب وجود مؤامرة تحاك ضده، فما بالك بمن يعيش تحت وطأة تلك الظروف الاستثنائية، في مجتمع يوصف بأنه متحضر، ولكن بالمفهوم الضيق لهذه الكلمة، بينما فعليًا هو بعيد كل البعد عن التمدن كفكر، وأسلوب حياة. ففي معظم الأحيان النزاع الطائفي لا يبرز في المجتمعات المتمدنة لكونهم منهمكين في المدنية. هذا الأمر أحدث انقسامًا وحزّ حزًّا عميقًا في قناعات تبناها المجتمع الأحسائي الطيب منذ مئات السنين، فجُيّشت النفوس وحل الحكم على النوايا بديلًا عن الحكم على الأفعال…! بينما في حقيقة الأمر لو كشف الله الغطاء عن ضمائر الناس لما سلم منهم أحد. بينما على الجانب الآخر، كان الشيخ محمد يراقب هذا الموقف بعقلانية ولكن أيضًا بقلقٍ وحرصٍ شديدين، فهب على الفور إلى استثمار علاقاته الواسعة مع أصحاب القرار من جهة، وأصحاب الشأن في المجتمع الشيعي من جهة أخرى، حيث كانت ترتكز فكرته على أمرين مهمين، الأول هو إقناع أصحاب القرار بإمكانية نزع فتيل الأزمة عن طريق التفاهم والحوار الصريح والمباشر، والآخر هو إقناع وجهاء الشيعة بنفس الفكرة وبأن الحل لا يمكن أن يأتي إلا من خلال رجال ينتمون إلى نفس الطائفة. فنجح فيما ذهب إليه، وقد أثمرت جهوده عن تحقيق لقاءات وصفت بأنها كانت إيجابية إلى حدٍ كبير. حيث كلّف الشيخ محمد ابنه عبد العزيز، بالتنسيق لتلك الاجتماعات؛ لكونه رجلًا متعلمًا ومتخرجًا في أمريكا، ومُطّلعًا على حيثيات الأمور، بالإضافة لمخزون ثقافي هائل. كما كان على رأس الوفد الشيعي، الشيخ عبد المحسن العيسى، الذي عُرف بأنه شخصية قيادية وحكيمة. وبالفعل تمخضت تلك الاجتماعات عن نتائج أدت إلى تهدئة النفوس، واحتواء الأزمة بالقدر الذي سمحت به الظروف آنذاك. فمن الصعوبة بمكان إدراك مدى صعوبة ما أُنجز، بمعزل عن تفهّم الإطار الزمني للقضية، فلقد كانت البلد تمر بأزمة غير مسبوقة بلغ فيها الاستقطاب الطائفي حدوده القصوى، كما أن الجو العام كان مشحونًا ولم يكن مهيأً لاتخاذ أي خطوة إيجابية. مع ذلك أصر الشيخ محمد على موقفه وفكرته على الرغم من صعوبة المكان والزمان، ماضيًا في طريق ربما لم تطؤه الأقدام من قبل، أو على الأقل قرر السير في طريق هو الأقل سلوكًا، ولكنه أيضا الأكثر أمنًا للمجتمع. محافظًا على قيم التسامح حتى في أوج الأزمة. فليس من السهل أن يُحسب للإنسان موقفًا عادلًا وإيجابيًا تجاه قضية شائكة – خصوصًا حين ينتمي إلى طائفةٍ هي طرف في النزاع- ما لم يكن الشخص مهيبًا في النفوس، جليلًا في الصدور، وموقرًا في المجالس، وقادرًا –أيضًا- على إذابة الفوارق بين الناس. فالعبرة ليست في الكلام وحده، أو في مضمونه، طالما أن هذا الكلام كان بعيدًا كل البعد عن الممارسة…! فالمحك إلى أي مدى يمكن لكلام شخص أن يكون ترجمة حقيقية لأفعاله. فأونصة من العمل تعادل طنًا من الكلام، والأهم أن الشيخ محمدًا قام بهذا العمل الجليل بأقل قدر من التنظير…! ولو تأملنا –بتمعن- فيما يمارسه الشيخ يوميًا في مجلسه، لوجدنا أن ما يقوم به ليس مجرد دليل على الصدارة الاجتماعية فحسب، ولكنه مسلك أخلاقي يُغني عن ما يكتبه الكُتّاب ويقوله الوعاظ عن التعايش السلمي ونبذ الطائفية. فلقد سبق هؤلاء المفكرين المنشغلين بهذا الموضوع، الذي طال الجدل حوله في الإعلام والصحافة والمؤتمرات الحوارية. على الرغم من أن قضية الخلاف السني الشيعي من أكثر القضايا تعقيدًا في مجتمعاتنا، بحيث لم تعد القضية مثلما بدأت، مجرد خلاف حول “مَن أحق بالخلافة: أبو بكر أم علي؟” بل باتت أوسع وأعمق من ذلك بفعل كرّ السنين، وظل تاريخنا يسحبها وراءه لأكثر من ألف عام. كما أن الحل الذي جاء به الشيخ محمد ليس مشروعًا معدًا سلفًا من قبل الدولة ويراد ترويجه على الطرف الشيعي أو العكس، فمن المعلوم أنه لم يكن حينها يشغل أي منصب حكومي؛ لذا فالحل عبارة عن مبادرة ذاتية، هدفها فسح الطريق أمام الطرفين للقاء والتفاهم. ولعلي أستدرك هنا لإزالة أي لبس، بأنه لم يكن منشغلًا بمسألة التقارب المذهبي، فتلك مسألة دأب ذوي الاختصاص في البحث عن حل لها ولم يفوزوا ببارقة أمل إلى يومنا هذا. فمن الأهمية بمكان أن نشير إلى أن العلاقات التي كانت تربطه بالشيعة، لم تكن نوعًا من الترف الاجتماعي، أو وليدة اليوم، بل هي بالنسبة له موروث عائلي تحدر منذ مئات السنين. كما أن ترأسه فيما مضى لإدارة أملاك الدولة، فتح المجال أمامه لترسيخ تلك المبادئ، فسجِلُّه حافل بقصص وشواهد تنم عن التسامح وحسن النوايا، وأيضًا العزوف عن الترجيح الطائفي.

 

صحيح أن نتائج الحل الذي جاء به الشيخ محمد قد خفتت آثارها في زماننا هذا، ربما لأسباب عديدة، من أهمها أن تلك الخطوة التي أتت بثمارها الآنية، لم تُستثمر كما يجب من قبل المعنيين، فيبدو أنهم اقتنعوا حينها بمجرد نزع فتيل الأزمة، فلا يمكن لأي عمل أن يُستكمل من دون حرص ومتابعة متواصلة. كما أن الإصلاح الاجتماعي بمجمله ليس عملًا فرديًا محضًا، بل يحتاج إلى تحرك جماعي يحمل صفة الديمومة ويتوارثه جيلًا بعد جيل. وعلى أي حال تبقى حقيقة ماثلة أمامنا، بأن هذا الرجل، كان في تلك الازمة صمام أمانٍ، منع صداما مذهبيًا وشيك الوقوع، واستطاع على الأقل، في يوم من الأيام، أن يُخرج البلد من الزاوية الطائفية الضيقة، وأن يمهد الأرضية المناسبة التي لو صادفت وعيًا جماعيًا لربما قادت المجتمع إلى تحقيق التعايش الأفضل.

 

كما لا أريد أن أبخس رجالًا أفاضل من رموز الشيعة حقهم، ممن كانوا على صلة وثيقة معه، ولعبوا دورًا مؤثرًا في حل تلك الأزمة، وكانوا لا يقلون عنه إصرارًا وحرصًا على هذا المبدأ، فعلى سبيل المثال لا الحصر، الشيخ عبد المحسن العيسى الشخصية البارزة في العمران، الذي عُرف بوجاهته المبهرة، وكرمه، وحبه، وإخلاصه لوطنه، كذلك كل من السيّدين علي وجواد الهاشم، والشيخ علي العلي، والسيد محمد الناصر الغزال، وكل من الشيخين إبراهيم وياسين أبو خمسين وغيرهم.

 

كما أن علاقات الشيخ محمد لم تكن محصورة بشيعة الأحساء، بل امتدت إلى العديد من وجهاء القطيف وصفوى، من أمثال الشيخ منصور الخنيزي، والشيخ عبد الله النصر الله، والسيد عبد الهادي العبد الهادي الرجل الكريم والمعروف في صفوى. وللعلم فلم تكن علاقات الشيخ محمد مع هؤلاء الرجال -سواء في الأحساء أو القطيف- مبنية على المجاملات فحسب. بل كانت تتسم بالتقدير والود والاحترام المتبادل.

 

سارة :

لما توفيت لجعة بنت خالد آل حثلين، وهي في الطريق من الأحساء إلى الكويت، كان لها بنتًا حديثة الولادة؛ هي صاحبة السمو الملكي الأميرة سارة بنت عبد العزيز، فأشارت إحدى النساء القريبات من أمها، بأن تُبقي الأميرة سارة في رعاية الشيخ محمد، الذي كان يتمتع بعلاقة قوية واحترام من قبل كل من الملك عبد العزيز وآل حثلين على حد سواء. لقد كان من أولئك الرجال النبلاء، الذين يأمنهم الناس على أموالهم وأعراضهم. عاشت الأميرة سارة في بيته، أول عشرة شهور من عمرها، ورضّعتْها عائشة بنت عبد اللطيف الموسى، الزوجة الأولى للشيخ محمد. وكانت تنادي الشيخ محمد بأبي، حيث استمرت تلك العلاقة وتوثقت معها، ومع زوجها الأمير فيصل بن سعد، الذي تربطه صلة رحم مع الشيخ محمد عن طريق جده لأمه الشيخ عبد الرحمن الوهيبي. كذلك تجمعه القرابة نفسها مع سمو الأمير فهد بن محمد بن عبد الرحمن، الذي أصبح أيضا صديقًا حميمًا له. وقد زاره عدة مرات في مزرعته القليبات، المكان الذي يستقبل فيه ضيوفه عندما يكون الجو معتدلاً، فلم أشاهد بأم عيني مكانًا تتجلى فيه الوجاهة والفخامة مثل هذا المكان. حتى إن الأمير فهد لم يستطع أن يخفي مشاعره في يوم من الأيام، عندما أخذ يتأمل في روعة المكان وصاحبه، فقال مخاطبًا الشيخ محمد: “ألا ليت الأعمار تُشترى؛ لاشتريت عمرًا وأهديته لك”

 

رشيد عالي الكيلاني ضيفًا في مزرعته “السبخة”:

لقد حضر في مجلس الشيخ محمد بن أحمد الموسى، العديد من المشاهير، ليس على الصعيد المحلي فحسب، بل العربي أيضًا. وكان رشيد عالي الكيلاني واحدًا من هؤلاء، فقد حَلّ ضيفًا عليه في مزرعته (السبخة) عام 47 م، وكان رشيد- آنذاك- من أشهر رموز الحركة الوطنية في العالم العربي، رفع لواء التحرير مع الحاج أمين الحسيني؛ إذ كانا مناوئين للحلفاء وتوجهاتهم الاستعمارية في المنطقة. ترأس رشيد الحكومة في العراق عدة مرات وكان مناهضًا للإنجليز، ولهجرة اليهود إلى فلسطين. شَكّل حكومته عام 1941 م، بعد هزيمة خصومه الحركة الليبرالية بزعامة نوري السعيد، الذي كان يدعمه كل من الإنجليز، والوصي على العرش الشريف عبد الإله، وعلى إثرها اضطر نوري، وعبد الإله إلى الهروب خارج البلاد، فقرر الانجليز خوفًا على مصالحهم، التدخل العسكري واحتلال أجزاء من العراق وإسقاط حكومة رشيد الذي هرب إلى ألمانيا، وأثناء إقامته هناك التقى بهتلر ولكنه لم يمكث طويلًا في منفاه، بل انتهى به الأمر أن هرب من ألمانيا بطريقة مدهشة وغامضة إلى تركيا، ومنها إلى سوريا. ثم التقى بالملك عبد العزيز في بلدة مرات في الوشم، لقاءًا مفاجئًا، فمنحه اللجوء السياسي الذي أثار غضب الإنجليز وبقية دول الحلفاء، فلم يكن يَخفى على الملك عبد العزيز تبعات هذا القرار الخطير وما قد يسببه من عقد واحتقان سياسي، ألا أنه أصر ولم يتراجع، على الرغم من المحاولات المضنية التي بذلها مَن فاجأهم هذا التصرف، الذي لم يكن سوى تَحَدٍ لرغبات تلك القوى المهيمنة آنذاك. أما على الصعيد المحلي، فقد وجد الناس في “زبنة رشيد” مادةً دسمة وممتعة، بل دخلت” زبنة رشيد” القاموس الشعبي للأمثال، كناية عن اللجوء الدراماتيكي والمضمون معًا! بل أيضًا أثارت قريحة الشاعر منصور المفقاعي، فأنشد أبياتًا أصبحت فيما بعد من الأغاني المشهورة:

 

يا حبيبي حكمت وخلي حكمك عدال       سوي بي ما تشاء وافعل على ما تريد

الله اللي عطاك وصورك بالجمال           فارق بالبهاء والملح فرق بعـيد

من تجي راس ماله ما يبي راس مال      إن حيا جنته وإن مات يكتب شهيد

ليت من ينهبه يا سعود ذاك الغزال         ثم يزبن عليهم مثل زبنة رشيد

آه من فات عمره ما اهتنى بالوصال       راح عمري بلاش وعشت عيشة شريد

جل من صورك وكملك بالكمال             أشهد أن اللي ينالك ذاك حظه سعيد

يا حسين البهاء ما عاد فيّ احتمال           باح صبري وحبك كل يوم يزيد

 

ثم صار رشيد صديقًا حميمًا ومستشارًا للملك عبد العزيز طيلة حياته. أما سبب زيارته للشيخ محمد؛ فقد زار -قبل ذلك- سعود بن جلوي في الأحساء من ضمن جولاته؛ للاطلاع على المناطق الحيوية في المملكة، بغرض تنميتها بتوجيه من الملك عبد العزيز. فاقترح عليه ابن جلوي أن يزور أولًا الشيخ محمد؛ للاستفادة من رأيه وحكمته. وقد ذكر لي الوالد أن رشيد تردد على مجلس الشيخ محمد مرارًا، وأقام له وليمة حضرها والدي. وقد دُعي إلى هذه الوليمة العديد من وجهاء وعلماء الأحساء، منهم الشيخ محمد بن عبد الله العبد القادر، والشيخ يوسف بن راشد المبارك، والشيخ عبد الله الشهيل، والشيخ حمد الجبر. وقد أعجب رشيد بحكمة الشيخ محمد، وبالمكانة الاجتماعية التي يتمتع بها، كذلك لم يُخفِ دهشته وإعجابه، عندما شاهد المياه العذبة تنساب بين أشجار الخوخ، والرمان، ومختلف الثمار، حيث قال رشيد حينها “هذه جنة الله في الأرض”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *