لقد عشنا أنا وعبدالله لحظات طفولة ظريفة وساذجة تشبه درب الزلق! غضب علينا الوالد في يوم من الايام، علماً بأن المرات التي غضب فيها الوالد لا تكاد تعد على أصابع اليد الواحدة ، يا ترى هل كان الوالد في حينها غاضبا بالفعل ؟ أم كان يحاول أن التمرد على شخصيته الهادئة والرقيقة ليخرج من دائرة الهدؤ والطمأنينة التي يعيشها فيها ، لحظة غضب ممتعه وظريفه، خليط من الدراما والكومديا . كان الوالد في اوائل الستينات يعمل في البرقيات في الصباح وبعد الظهر يعمل في بريد المبرز في عمارة صالح العفالق (ابوكميّخ ) الواقعة داخل سوق المبرز، في العصر نذهب معة الى البريد ونجلس على كراسي ونقابلة وجها لوجه ، بينما هو يجلس على طاولة ويأتية الناس ويعطونة رسائل ويأخذ منهم قروش ويرميها في علبة معدنية فارغة ، وكلما قذف بقطعة من النقود في العلبة احدثت صوتا لة رنين تجعلنا نهتز ونتحرك ويحملق الواحد منا في الاخر ، ثم نبدأ التناوب في ترديد سموفونية مملة ومزعجة … ابوي عطنا اربعة قروش …. وعلى هذا المنوال نرددها مرار وتكراراً، حالة يا رجل .. تجعل أي اب في الدنيا ربما يفكر في الانتحار! ولعله سأم منا ومن واصواتنا النشاز ، وحدث نفسة قائلا ماذا افعل بهؤلاء؟ قلة حياء ، اشكال غلط وازعاج، ثم دنت ساعة الصفر التي لم نحسب لها حساب ،وسدد ضربتة الاولى الى عبدالله بكف اخذه على حين غره ، كان وقتها سرحان ربما كان يفكر في الغنم ! اما انا فحاولت الهروب العشوائي والنفاذ بجلدي ولكن الوالد قام بعملية مطاردة تمكن من اعاقتي عند السلم وقصفني من الجو بكف على قفاي جعلني اقفز عتبات السلم اربع …. اربع . بعدها تدحرجت ووجدت نفسي ممددا اسفل السلم وقد انفرجت ارجلي على شكل سبعة وتجمعت ثيابي والتفت حول عنقي. نزل عبداللة وهو يبكي وفي يدة نعلتي بينما الاخرى كانت تحتي، فنهضت باكياً من بين الانقاض، أنفض الغبار عن ثيابي، وبمجرد ان نظر الواحد منا للاخر تحول البكاء الى ضحك هستيري ! قمة في السذاجة ! حقيقةً يقع اللوم على الذي يلوم الوالد فينا . رجعنا الى البيت، بخفي حنين وكبقايا جيش مهزوم، ولسان حالنا يقول ضرب الحبيب مثل اكل الزبيب.