العودة الى الصور القديمة …

كان البيت الذي ولدت وعشت فيه الطفولة المبكرة، له باب يطل على براحة الجبري من الغرب وباب اخر يفتح من جهة الجنوب الى سباط “دهليز” يؤدي الى الطريق الذي يفصلنا عن بيوت الغنام والعفالق. في الحقيقة لم تكن ارضية تلك الطرقات تختلف كثيرا عن ارضية البيوت،فجميعها لم تعرف غطاء سوى الرمل! في الزاوية الغربية من البراحه يقع مسجد الجبري، غالبا ما نخرج من المسجد قبل ان تبدأ الصلاة بسبب الضحك! مجرد التفاته ونظرة من عبدالله اتجاهي، تجعلني أنفجر من شدة الضحك،ثم نغادر المسجد خجلا، يتكرر هذا المشهد على الرغم من عدم وجود سبب لضحك، لكن عبدالله يعرف بأني لا استطيع السيطرة على نوبات الضحك ! فيحاول اثارة هذا الشيء كلما استطاع الى ذلك سبيلا،سواء في المسجد او في المدرسه او في اي مكان عام.

 تتوزع بيوت الجبر والفويرس والصيّاح والراشد والشهيل من حول البراحة. اما “سويده” ففقدانه لعقله قد اخل بعلاقاته بما هو حوله، كان بيتهم في جانب المسجد، غالبا ما تظطرب البراحه عندما نستفزه بترديد أنشودة المطر..! ” سويده باق الطاسه – يا ربي تكسر راسه” فترتبك الانزيمات في جسده فيثور على من حوله، فيجري حاملاً حجرا في يده يرميه اتجاه مصدر الاستفزاز. في احد المرات رمى حجرا فهبط في وسط صحن هريس في احد البيوت! لم يمهله القدر فقد توفي غرقا في نهر عين الحارة وهو شاب في العشرينات، في الحقيقه هو لم يمت، بل نجا من الحياه!

 

   لم اكن كبيرا بما يكفي لكي اكون شاهد عيان على هذا الحي المليء بالذكريات،فمن ابرزها بالنسبة لي واخي عبدالله هو اهتمامنا بالذهاب الى المزرعة والذي لا يتعلق بالفلاحة بقدر ما يتعلق بالشعور بأننا معا نقضي وقتا ممتعا. في يوم الجمعه يأتي  الفلاح يوسف ونركب معه على حمارته الملكيه، له سحنة داكنه ، طويل يميل الى النحافه يمشي ويسحب قدمه بحيث تترك اثرا في الارض يشبه علامة إستفهام؟ يقال أنه سقط من نخله ذات يوم على اثرها اصبح لديه التواء في رجله اليمنى، بعدها لم يعاود صعود النخيل قط . يردد دائما هذه العبارات ..على هواك  يا عبود … على هواك يا صلوح …  لم استطيع فك رموز هذه الشفره الى يومنا هذا! كنا نركب معه على الحمارة  متجهين الى المزرعه، اركب في الامام وعبدالله في الخلف ، وكان يوسف حريص كل الحرص على تلك الحماره، على الرغم ان مؤخرتها متورمه وعرفها متين ومائل ومع ذلك يخشى عليها من العين ! أي عين تصيبها ؟ فهذه الحماره لو رأها جني حسود لفر منها هاربا، نسير نحن الثلاثه او االاربعه ! وعندما نصبح على مقربه من سكة “العويشير” حيث يجلس بعض رجال الحي على قارعة الطريق، تأتي الاوامر من يوسف  الى عبدالله  .. عبود .. عبود .. حوّل حوّل … اخاف ينظلونها .. وعندما نتجاوز تلك النقطه الحرجه، والتي أشبه بمثلث برمودا بالنسبة ليوسف،  يعود عبدالله ويركب ونواصل المسير، اما أنا فكنت اتحين الفرصه لأخطف العصى من يده ثم يمهلني قليلا و يستعيدها ثم أخطفها ويستعيدها مره أخرى ونستمر على هذا المنوال حتى نصل الى المزرعه.

 

كبرنا قليلا وفي غفلة من يوسف، وأصبحنا لا نحتاج  اليه ولا الى حمارته المصون، فصرنا نذهب مشيا على الاقدام ومع كل واحد منا  ماعز صغيرة، اشتراهما الوالد نزولا عند رغبة عبدالله! كان طريقنا الى المزرعة يمر من خلال مقبرة ، لاحظت حينها ان الماعز تتوقف فجأه وتتلفت كأنها تبحث عن مصدر صوت قادم؟ لا اعلم ان كان هذا من نسج خيال الطفولة، ام أنهم بالفعل يستمعون الى اصوات من هم في البرزخ؟ ولكن بقي هذا المشهد عالقا بذاكرتي الى يومنا هذا. احيانا نرى راعي الغنم الاعرج  “ابو العِلّيج” مع القطيع  على حماره الاسود وكلبه الاسود “حَجّول” يتولى الحراسة، هذا الراعي يسرح باغنام الحي، يمر على البيوت في الصباح فيدفع الباب الموارب بعصاه،من دون ان ينزل من على حماره، فتخرج الاغنام من خلف الباب،  الواحدة تلو الاخرى وتنضم الى القطيع، ويكررهذا الشيء مع بقية البيوت حتى يكتمل القطيع، ثم يعود بها في المساء ويُدخل الاغنام الى البيوت بنفس الطريقة.  أما يوسف فلم يكن يرحب دائما بقدومنا الى المزرعه او بالاحرى كان طيب القصد ولكنه متقلب المزاج، اما نحن فلم نكن نعبه بذلك، لأن الوالد كان يردد دائما بأ نه اشترى المزرعه لنا من أجل أن نلهو ونلعب فيها! الامر الذي منحنا الثقه امامه على الرغم من أنه كان يشكونا احيانا بأننا نعسّج الزرع ونعفّس المدود ونُحذّف القواطي في كل مكان. على إثرها  سماه الوالد “القواطي” ففي جعبته لقب لكل واحد في البيت! لم يكن ابي من النوع الذي يمطرنا بوابل من النصائح، بل لم يكن حتى يرفع حاجبيه استنكارا، كما أن يوسف لم يرى تجاوبا لشكاويه المتكررة، فالوالد يسمع منه ما يريد فقط، اما بقية الكلام فيذهب ادراج الرياح.لا يخلو يوسف من بعض الظرف ربما الظرف الغير مقصود، ففي أحد الايام جئنا الى المزرعه وكان معنا أحمد وعلى غير العاده احتفا بنا وسأل احمد إن كان يريد “ابدجينه” اي باذنجانه وإلا “رمامينه” اي رمانه، فشكره أحمد، وبعدها بقليل اعطاه ورقه (بروه) وطلب منه أن يوقعها من عند والده الذي كان عمده في تلك الفترة! عرفنا عندها أن يوسف كان يريد تسليك الامور ولكن بطريقته  الخاصة .

 

اترك رد