الجلال العنابي ..
الوالد غالباً لا يقدم النصيحة إلا إذا طلبت منه، ويحتاج صاحب الطلب الى قدر كبير من الالحاح، إلا أنه ير أن الإخوان يمارسون أعمال اقل بكثير من مستواهم العقلي والعلمي، فهو ير أن عبدالله تنازل عن الكثير بسبب حبه لهذه الهواية، فبدلاً من أن يكون وزير أوكيل وزارة على الاقل إنصرف إلى هواية رعي الاغنام، أما عبد الوهاب ير بان له دور اجتماعي كبير يضعه في مقدمة رجالات الاحساء. فعلى أي حال فكلاهما بالنسبة للوالد مثل الطيار القادر على قيادة طائرة بينما يصر على ركوب دراجة . بين الحين والاخر يزورهم عند الحلال،ترتسم إبتسامة تعجب على وجه عندما ير البيالات والفناجيل تغسل في طاسة ماؤها عكر! والادها والامر بأنني رأيت علي يوماً من الايام ممسكاً بياله ويغرف من تلك الطاسة ليتوضيء لصلاة! يعود الاخوان الى البلد بعد صلاة العشاء ليتجدد اللقاء صباحاً في بيت الوالد على مائدة الافطار. قبل الثامنة صباحا تكون الوالده أول الحاضرين وقد جلست و لبست الجلال العنابي المنقط،واتخذت لها موقعاً يمكنها من الاطلاع عن كثب على جميع ما يدور في الصالة. الهاتف عن يمينها والمسجل عن شمالها وتستمع الى إذاعة القرآن الكريم تسبح وتهلل معها ، والنور ينبعث من وجها المشرق وكأنها الشمس وضحها ، والخادمة “خمسيا” تجوب ارجاء المنزل مبتسمة ومرفوعة الرأس وكأنها احدى الجواري في قصر هارون الرشيد، وتمر امي “فاطمة” عابرتةً وتلتفت الينا نصف التفاتة وكأنها تمشي على السجاد الاحمر لتستعرض حرس الشرف! ثم تغلق الخادمة “جهيتي” باب المطبخ وهي اشارة الى ان وقت طحن القهوة او عصر العصير قد اصبح وشيكاً . أما الوالد فتجدة قد لف ازارة بطريقة محكمة ولبس الفانلية النصف كم والطاقية تهبط احيانا الى اسفل جبهتة واحيانا يترك لها الحرية تتمايل كيفما تشاء وكأنها تتحرك بشكل ذاتي . بين الحين والاخر يمر على مقاييس الحرارة الموزعة في اماكن مختلفة وبالاخص المعلق على الشجرة ، او يجلس في المجلس يقرأ القرآن أو يتصفح كتاب ثم ينهض ويحاول واقفاً لتصفية محطات التلفزيون ، ذلك الجهاز التعيس الذي يعاني من امراض مزمنة مثل اهتزاز الصورة ، التشويش وعما الالوان وما شابة ذلك، وما يلبث ان يمل و يطفئة. ثم يجلس بعد أن يحيينا جميعا، التفت أنا الية واسألة عن حالة؟ فيرد على الفور لا تسأل عني! وهو يشير باصبعه الى الوالدة، اذا كانت هذة المرأة بخير فأنا اوتوماتكيا بخير .. ربما الوالد يعرف المثل الذي يقول .. إذا أردت أن يرضى عنك أولادك إجعلهم يشعرون بحبك لأمهم … ! والوالدة تبتسم وتلتفت اليه وتقول لقد شبعنا من هذا الكلام ، ثم اسأل الوالدة عن حالها فيرد هو عنها ويقول .. لا تسأل عنها .. انها صحيحة جحيحة … لا اعرف ما اصل هذة الكلمات وكل ما اعرفة انها احدى المصطلحات الخاصة بالوالد ! في احد المرات حضر الوالد احدية الدكتور راشد المبارك وكانوا يناقشون الشعر الحر أو التفعيله، فقال ان هذا ليس شعر، وانما هو عبارة عن” شماطيط” فضحك الجميع وقالوا سوف ندون هذا المصطلح العجيب .وفي هذا الاثناء نسمع اهتزاز خفيف للباب الخشب الخارجي، و خطوات لاحذية لها صوت يشبه الصوت الذي يصدر عن إحتكاك ، ثم يطل علينا ويقول السلام عليكم يارجال، ويخلع غترتة ويصففها بطريقة فنية ، ثم يتجة نحو المكيف ليضبط توجية الهواء ويتحسس البرودة، ويسأل وملامحة تبدوا غير راضية عن مستوى التبريد ويسأل متى فتحتم هذا المكيف ؟منذ فترة اصابة عبدالوهاب حمى المكيفات ولازالت تعاودة بين الحين والاخر ! وفجأة نسمع صوت خطوات بثينة وهي تهبط من السلم وعلى الفور تحيينا وتسأل ماذا تريدون ياجماعه ؟ فيقول الوالد نتمنى أي شيء من يديكي الكريمتان ، ثم تقتحم بثينة المطبخ لتظبط ايقاع العمل هناك ، وتتحول الاصوات المزعجة الى ماكولات ومشروبات منعشة، وتعود الينا بصينيه محملة بما لذ وطاب. بعدها تبدأ بثينة في تقديم الخدمات وامي تعطيها التوجيهات عن بعد عن طريق ارسال النظرات لتفهم بثينة ما هو المطلوب؟ نعم صدق من قال الحر تكفية الاشارة . ثم تأخذ بثينة نفس طويل وتهز رأسها وتغمض عينيها، وهي تنظر الى ابي وامي وتدعو لهما بطول العمر ، وتلتفت الينا وتقول مارأيكم في هاؤلأ القمرين ؟ ثم يلتفت إليها الوالد مؤنبا وهو يقول .. ما علينا من هذا الكلام، خلونا في المهم، هل يرضيكم هذا الوضع الذي نحن فيه ؟ لا نستطيع متابعة اخبار العالم او مشاهدة أي برامج مفيدة … يا بنت الحلال مجرد صحين “دش” يمكننا من متابعة الاحداث التي تدور في العالم.. ثم تهز بثينة رأسها وهي دلالة على الرفض القاطع، وترتعش عينيها وتمسح بيدها على شعرها وتتراجع الى الخلف وهي جالسة، وتنحني قليلا الى الامام، وكأنها تستجمع جميع مافي جعبتها. ثم ترفع رأسها معلنتا بداية الحرب الباردة ! الحرب وليس إلا الحرب على الدش ثم تقول يا سلام تريدون ان….. فتقول في “الدش” ما قال مالك في الخمر ، حوار فية القليل من الحدة والكثير من المرح ، فالوالد غالبا مايستخدم لياقتة النفسية والعقلية في ادارة الحوار ، وبثينة تصعد الموقف وفي نفس الوقت تحاول الزج بعناصر المرح لترطيب الجو ، والوالدة تتبسم و لاتخفي تأيدها لبثينة، وينتهي الحوار بنهاية مفتوحة … ثم تنهض بثينة على الفور لتعود بعد قليل بصينية الفاكهة، تضعها أمامنا، لتضع حدا فاصلا او هدنة لهذه المعركة ، فكما يقول فقهاء القانون الدولي، ان الهدنة لاتنهي الحرب وانما هي توقف مؤقت للعمليات القتالية ، وهذا هو الذي يحدث هنا بالفعل .بعدها يلتفت الوالد على من عندة ممازحا ويقول .. لا بد من الاستعانة بآمال “رفيقة بثينة في محاربة الدش” ! ويشبك ذراعية فوق رأسة ويسند ظهرة وينظر الى الاعلى وكأنة يحاول ان يقرأ ما سيقول ثم يعقب … كالمستجير بالنار من الرمضاء !. ثم تطلق بثينة ضحكتتها العالية فعدم التوصل الى قرار يعتبر انتصارا وشيكا بالنسبة لها . ولكن فيما بعد أدرك الوالد بأن خطته لم تعد تجدي نفعاً، فقلب استراتيجية اللعبه رأسا على عقب، مستخدماً سياسة التظاهر بالزعل وبعدم الرغبة في الجلوس في البيت كوسائل ضغط! وباطلاق عبارات التأفف، مثل ..نحن من دون (الدش) لا ندري ما يدورحولنا في العالم ؟ نحن في سجن ! وبدعم خفي من خلف الكواليس من قبل الوالدة، تهاوت حصون يثينة المنيعة، وفضلت الانسحاب الاختياري على الانسحاب الاجباري، فهي تعرف الخطوط الحمراء ولاترغب في تجاوزها، وبالتالي رضي الوالد عن الصحابة “بثينة وامال” وتحول الهجاء الى مديح ، كان بأمكان الوالد أن يأتي (بالدش) بدون رضى بثينة، الا أن هذا التصرف يتنافا كلياً مع شخصيتة، فكما يُقال … خيط الرضى اقوى من طوق الحديد .