كيف تجعل السعادة تنطح بابك …؟

كيف تجعل السعادة تنطح  بابك ..؟

يعجبني في الاخوان ألاريحية في التعامل مع الرعاة ، يمنحونهم الفرصة في الجلوس معنا بطريقة عفوية وبمنىء عن مفهوم السيد والخادم، فتلك أحد الفضائل التي تجود بها مهنة رعي الاغنام في وجدان أصحابها، فالاوامر مسبوقة بعبارات التودد وهم  ينفذونها  بكل إمتنان، فما يمارسه عبدالله وعبدالوهاب مع الرعيان يُغني عن الكثير مما يقال ويكتب عن التعامل الانساني. فلا يمكن أن تغيب عن مخيلتي الراعي محمد حمد، الرجل المبتسم على الدوام والمقبل على الحياة بقناعة ورضى عفوي، فلا غرابة فمهنة الرعي  بحد ذاتها  كفيلة بأن تجعل السعادة وبغزارة تنطح بابك !  رأيته أول مرة في أوائل الخريف من عام 99 مـ عندما كان الحلال على طريق العقير، وحيدأً مع الاغنام، يجوب الفيافي والوديان، تراه من بعيد هو  والقطيع عبارة عن كتلة سوادء تزحف ببطيء، بينما هو جالسٌ بجانب الحمار يراقب ومن حوله المراييع. جلسنا أنا والاخوان في إنتظاره عند العربة التي ينام فيها، كان طيفه من بعيد يرقبنا ويوحي بأنه كان  مستبشراَ بقدومنا،ثم أقبل علينا وهو على  حماره  يحمل بين ذراعيه طلي ولد لتو، بينما أمه كانت تهمهم وتسير خلف الحمار، كان يدنو منا بعمامته وبثوبه الفضفاض وقرص الشمس يلامس الافق من ورائه ،هذا المشهد السريالي إستقر في ذهني وطاف بمخيلتي الى زمن الانبياء والرسل،تخيلته عزير الذي ذُكر في القرآن، أو أحد الشخصيات التوراتيه التي وردت في الاسرائليات!  تمتلك  تلك الصورة  من الاسباب التي  تجعل الانسان يتخيل  أنها منذ  ألاف السنين. عندما أصبح على بضع أمتار منا إستعان بساقيه الطوليتان لنزول من الحمار، وترك الشاه وحملها الصغير الذي كان يحاول الوقوف بغية التمكن من ضرعها ، بينما هي إنشغلت تلعقه  من رأسه حتى  رجليه. أقبل علينا مبتسماً وصافحنا بحراره وهيئته تشع بالقناعة والرضى، وأشعل النار وبدأ في إعداد القهوه وهو  مسترسلاً  في الحديث والمرح، فاجأني عندما أخرج من كيس العلف حفنه من الدقيق ! فكومها على طرف الكيس وسكب عليها قليل من  الماء وشرع في عمل خبز البر، جهّز عجينة الخبز ثم دسّها بين الجمر والرماد! تركها للحظات ثم أخرجها من تحت الانقاض!وضربها بيده عدة مرات ليزيل الركام العالق فيها،ثم قدمها لنا وقال بسم الله! فسألت الاخوان بتعجب! هل سنأكل نحن من هذه الخبزة؟ فهزوا رؤوسهم بالايجاب، فقلت لهم كنت أظنه يريد أن يعطيها الشاه ليخفف عنها ألام الولادة،فضحك الجميع وأكلنا خبزة محشية رمل وبنكهة الرماد، ودعنا محمد وأنا  على يقين  بأن من يعتقد بأن ما يمارسه عبدالله وعبدالوهاب هو مجرد رعي أغنام  كمن يطوف بظاهر الاشياء ولا يغوص فيها، وأن الحياة لا زالت تحتفظ ببرائتها.

زيارة ملكية …

زيارة ملكية ..

زار الملك سعود الإحساء للمرة الأولى عام 1954 م وأقام له الأهالي حفلا كبيراً في عين أم سبعة ، وكان الشيخ محمد والشيخ عبدالله الشهيل والشيخ حمد الجبر أعضاء اللجنة المنظمة للحفل ، وألقى كلمة الحفل الشيخ عبداللطيف الجبر، كما كما ألقى خالد بن محمد ال عبدالقادر قصيدة للعالم الجليل الشيخ محمد آل عبدالقادر أبياتاً عبرت عن أجمل وأروع وصف لهذا الموقف :


بوادر الخير من يمناك تبتدر       – لا أم سبعة ولا النيل الذي ذكروا
آل السعود على حافتها نزلوا      – سعود نجم تليه الأنجم الزهرو
فماؤها واصفرار الشمس يصبغه –  كخدود غيد علاها الورس والخفر

وقد كرر الزيارة عام 58 و 59 م وحلّ في كلتا الزيارتين ضيفاً في منزل الشيخ محمد، وأخذت الاستعدادات والترتيبات لهذه الزيارة تسير على قدم وساق، ومن بين تلك الأشياء المهمة التي يتوجب التحضير لها وإعدادها بشكل متقن وتليق بهذا الموقف، نص الكلمة التي سوف تُلقى على مسامع الضيف الكبير، التفت الشيخ محمد آنذاك وجال ببصره وبصيرته في من حوله، فلم يجد أحداً مؤهلاً لهذه المهمة الصعبة والحساسة ! سوى عبدالرحمن الموسى – أبي عوف- فهو يتعاطى الأدب والشعر منذ نعومة أظفاره، ولديه إلمام بعلوم اللغة والقران، فوقع الاختيار عليه وكلفه بكتابة الكلمة. كذلك اختار ابنه عبدالعزيز لإلقائها والذي كان حينها شابا يافعا وسيما لماحا وذا طلعة بهية. استهل النص وكالمعتاد بالأبيات التالية :

على الطائر الميمون يا خير قـــــادمــــــــــ   – وأهلا وسهلا بالعلا والمكـارمــــ
قدمـــــــت بحمد الله أكرم مــــقدم مـــــدى    –  الدهر يبقى ذكره في المواســـــــــم


وكالمعتاد لم تخلُِ تلك الزيارة من بعض الفكاهة والمرح! فالشيخ أحمد الموسىأبو طارق – ومحمد بن عبدالوهاب الموسى – أبو خالد – الصديقان الحميمان لأبي عوف ، هؤلاء الثلاثة قد عاشوا ترّهات الحياة سويا، في أيام قد خلت، عندما كان الشباب مطيّة اللعب ومحسّن الصعب. وجد أحمد ومحمد في هذا الموقف فرصةً وصيداً سميناً للتندر على أبي عوف، وأخذا يراقبانه عن كثب، وهو جالس في إحدى زوايا المجلس منهمكاً في الكتابة، بينما جلسا في الناحية الأخرى، يتهكمان عليه تارة ويعلقان تارةً أخرى، فحمى الوطيس وبدأ التراشق وكأن الشياطين تتطارد في كل إتجاه ! وضجّ المكان بالسخرية والضحك على هذا النص الخطابي، يصفونه بالممل والمكرر، وأن ليس في جعبته سوى ترديد تلك الأبيات العثمانية البالية ، التي عفا عليها الزمن وأصبحت مقدمة لكل نص خطابي يكتبه! أما أبو عوف فكان يحاول جاهداً وبدون جدوى، الرد عليهما، وفي نفس الوقت تجميع أفكاره التي شتتها وبعثرتها تعليقاتهما. وأخيراً ضاق ذرعاً بهما وبلغ السيل الزبى، ورمى بالقلم وغادر المكان تاركاً الخطاب ملقىً على الأرض، متهماً كلاً منهما، بأنه هو السبب وراء تعطيل كتابة النص. بيد أنه كان هناك على الجانب الآخر، شخص آخر يقوم بمهمة في غاية الظرف والأهمية ! ألا وهو فهد الحادي ذلك الرجل الأنيق الذكي، والذي كان يطوف عليهم بين الحين والآخر، مسترقاً السمع، وهو سريع في نقل الإخبار، ربما أسرع من هدهد سليمان ! وعلى الفور يدنو من الشيخ محمد خلسة ، وبكل لباقة يصب الخبر في أذنه ويقول .. بأن أبا عوف قد توقف عن الكتابة وغادر المكان، بسبب السخرية التي تعرض لها من قبل أحمد ومحمد، فينادي عليهما غاضبا وينهال عليهما بسيل من التوبيخ والتأنيب، متوعدا إياهما بالويل والثبور وعظائم الأمور، لتعطيلهما كتابة الخطاب، ثم يتصل بأبي عوف ويطلب منه الاستمرار، ويستجيب بدون تردد، ويعاود الكتابة ويتكرر هذا السيناريو عدة مرات، وفهد الحادي يؤدي نفس الدور! ويبدو أن أبا عوف أعد خطة دفاعية لمواجهة هذا الموقف ،فكلما راق له أن يرى الشيخ محمد “يغسل شراعهما” تظاهر بالزعل وتوقف عن الكتابة ! وهكذا دواليك يستمر الوضع بين مد وجزر.. وفي النهاية اكتمل ذلك الخطاب الذي أثنى عليه الملك وعلى الشاب المتألق الذي قرأه على مسامعه .


وثيقة ..

كان الشيخ ياسين بو خمسين الرجل الثري والمعروف في الإحساء، لديه بستان مجاور لأحد بساتين الأمير عبدالله بن جلوي ، فشعر ذات يوم بالظلم لعدم حصوله على الحصة التي يستحقها من مياه الري ، والسبب في ذلك أنها قد ذهبت إلى جاره (ابن جلوي) والذي كما يقول قد ظفر بحصة الأسد على حسابه. فلم يجد ياسين أمامه سوى أن يشكو حاله إلى ابن جلوي، الذي على إثرها أصدر خطاباً ( الوثيقة 90) في غاية الأهمية والحساسية، بل ليس من المبالغة بمكان بأنه يستحق أن يدرج من ضمن المواثيق الهامة في تاريخنا المعاصر. فالخطاب هو عبارة عن أمر بتكوين لجنة بعضوية كل من الشيخ عبدالرحمن الراشد والشيخ محمد الموسى والشيخ حسين العرفج وآخرين. كما حثهم في الخطاب بتوخي العدل والأمانة والحكم بما يرضي الله سبحانه وتعالى.

إن غياب السلطة القضائية في ذلك الزمان، الذي كان مصاحباً لنشأة الدولة، جعل حكّام الأقاليم يعتمدون على رجال من أهل الرأي والحكمة والنزاهة في حل المنازعات بين الناس، من خلال تكوين لجان يتم اختيار أعضائها بعناية فائقة من قبل الحاكم . شرعت اللجنة بالنظر في هذه القضية الغير مسبوقة في تاريخ الدولة السعودية، والتي قد تستدعي حفيظة المنقبين عن وقائع تاريخية متناقضة . فوجد الأعضاء أنفسهم أمام مشكلة عويصة وفي موقف كمن يحاول نزع فتيل قنبلة موقوتة ! فالهاجس الماثل أمامهم، بأن قول الحق سوف يجلب سخط بن جلوي عليهم. بل إن أكثر ما أستأثر اهتمامي، هو أن يأمر حاكمٌ عربيٌ إبان ذلك الزمن الغابر ( الوثيقة 9 ) بالشروع في محاكمة يكون هو نفسه الطرف الأول، بينما الطرف الآخر فيها أحد رعاياه! , ليس ذلك فحسب، بل إن الحكم الذي توصلت إليه اللجنة جاء ضده ! وذلك عندما وجدوا أن وثيقة الملكية تنص على أن البستانين كانت أصلاً بستاناً واحداً من أملاك ابن ماجد، الذي باع نصفه لابن جلوي والآخر لياسين وقسّم الماء بينهما بالتساوي حسب ما ورد في نص الوثيقة. كما أنه صفحة بيضاء ومشرقه في سجل هؤلاء الرجال أعضاء اللجنة، لشجاعتهم في الوقوف إلى جانب الحق. فالشيخ عبدالرحمن الراشد لم يكن كأحدٍ من سائر الناس،بل كان وجيهاً من الطراز الأول ، يُعتد به وبآرائه السديدة على نطاق واسع ، أسس لنفسه ثروة طائلة ومكانة اجتماعية مرموقة بإصراره وصبره وكفاحه الدؤوب. كذلك الشيخ حسين العرفج الذي كان فارع الطول عظيم الجثة وضخم الأطراف و يتمتع بالدهاء وبسعة الحيلة وأيضاً بالطرافة وخفة الظل. هؤلاء الرجال الأخيار ضربوا مثلاً رائعاً في حمل الأمانة وتحقيق العدالة وبعد النظر،كذلك الشيخ ياسين لشجاعته وإصراره على الوقوف في هذا المأزق الخطير في زمن كان البعض يعتبر مجرد الوقوف أمام ابن جلوي أشبه بالصعود إلى الباخرة تايتانك !

إذا كان ما أقدم عليه ابن جلوي يوم 25 جمادى من عام 1355 هـ هو بدافع تحقيق العدالة الاجتماعية بين الناس، ولم يكن مجرد حادثة تاريخية انتقائية أو من النوادر المتقطعة في سجل حياته الحافل بفرض السيطرة، فنحن إذاً بصدد وثيقة في غاية الأهمية، يستحق صاحبها التبجيل كما ينبغي، لسيطرته الشخصية على ذاته، ولإصراره على أن تأخذ العدالة مجراها ولو كان على نفسه. فلم يُعرف هذا الرجل عند العامة بالعدل بقدر ما عُرف باستخدام أقسى درجات العنف ضد المخالفين لأوامره، وبتغليب الشبهة مكان اليقين، معتمداً على الحدس العقلي الذي غالباً ما يفضي إلى نتيجة مؤداها التسرع في الحكم والمبالغة في العقوبة، فالزيادة والنقصان، والكثرة والقلة هي التي تفسد الأشياء، إذا لم يكن بينها برزخٌ يحفظ لها الاعتدال بوجه عام. فتداعيات تلك الأمور قد جيشت النفوس ضده، فشاعت في عصره قصص وحكايات تشبه الإسرائيليات، اختلط فيها الصدق مع من سواه. فمن المرجح أن سجله قد خلا من حادثة ظلم بواح واحدة، هذا على اعتبار أن ما ينتج عن التسرع والمبالغة في العقوبة ليس ظلماً متعمداً ! بقدر ما كان وسيلة ردع.علماً بأن الظلم قد يقع حتى بين الأتقياء، ناهيك عن حاكم يريد بسط الأمن في محيط مضطرب. ولكن ينبغي أن نُشير وبإلحاح إلى الظروف السياسية والأمنية في تلك الفترة ، والتي كانت تعصف بإقليم الإحساء من كل جانب، متمثلة في جهات كانت تصارعه على السلطة حفاظاً على كيانها القبلي، وأخرى ترى في السلب والنهب طريقاً وحيداً لطلب الرزق، وآخرون أصحاب مصالح وأملاك يريدون حمايتها. فربما تلك الظروف مجتمعة قد ألقت بظلالها على طريقته في التعاطي مع الأمور. لذا لا ينبغي أن نسقط عليه فهمنا الحالي لقيم العدل والتسامح من دون أن نضعها في إطارها العام لعصره وبيئته. فثمة شيئان رئيسيان في سيرته ومن الصعب الاختلاف حولهما ، الأولى بأنه لم يجمع ثروة، والأخرى لم يكن يحابي أحد على حساب أحد، فالناس عنده سيان. يقال أن الحكماء قد أجمعوا على أن الفضائل أربعة هي ” الحكمة والعفة والشجاعة والعدل” فهل غابت عن بطل المصمك الأول ؟ هذا مجرد رأي وليس موقف، ولعلني ذهبت فيه مذهب من يريد التوضيح لا مذهب من يريد الغلبة والجدال. ولكن المدهش في الأمر كيف لحدث بهذا الحجم أن يثير فينا هذا القدر الضئيل من الاهتمام ! بل كاد أن يتوارى من أرشيف الذاكرة ويسقط في بحر النسيان. رحم الله ابن جلوي رحمةً واسعة وجميع أولئك الرجال.

 

العودة الى الصور القديمة …

كان البيت الذي ولدت وعشت فيه الطفولة المبكرة، له باب يطل على براحة الجبري من الغرب وباب اخر يفتح من جهة الجنوب الى سباط “دهليز” يؤدي الى الطريق الذي يفصلنا عن بيوت الغنام والعفالق. في الحقيقة لم تكن ارضية تلك الطرقات تختلف كثيرا عن ارضية البيوت،فجميعها لم تعرف غطاء سوى الرمل! في الزاوية الغربية من البراحه يقع مسجد الجبري، غالبا ما نخرج من المسجد قبل ان تبدأ الصلاة بسبب الضحك! مجرد التفاته ونظرة من عبدالله اتجاهي، تجعلني أنفجر من شدة الضحك،ثم نغادر المسجد خجلا، يتكرر هذا المشهد على الرغم من عدم وجود سبب لضحك، لكن عبدالله يعرف بأني لا استطيع السيطرة على نوبات الضحك ! فيحاول اثارة هذا الشيء كلما استطاع الى ذلك سبيلا،سواء في المسجد او في المدرسه او في اي مكان عام.

 تتوزع بيوت الجبر والفويرس والصيّاح والراشد والشهيل من حول البراحة. اما “سويده” ففقدانه لعقله قد اخل بعلاقاته بما هو حوله، كان بيتهم في جانب المسجد، غالبا ما تظطرب البراحه عندما نستفزه بترديد أنشودة المطر..! ” سويده باق الطاسه – يا ربي تكسر راسه” فترتبك الانزيمات في جسده فيثور على من حوله، فيجري حاملاً حجرا في يده يرميه اتجاه مصدر الاستفزاز. في احد المرات رمى حجرا فهبط في وسط صحن هريس في احد البيوت! لم يمهله القدر فقد توفي غرقا في نهر عين الحارة وهو شاب في العشرينات، في الحقيقه هو لم يمت، بل نجا من الحياه!

 

   لم اكن كبيرا بما يكفي لكي اكون شاهد عيان على هذا الحي المليء بالذكريات،فمن ابرزها بالنسبة لي واخي عبدالله هو اهتمامنا بالذهاب الى المزرعة والذي لا يتعلق بالفلاحة بقدر ما يتعلق بالشعور بأننا معا نقضي وقتا ممتعا. في يوم الجمعه يأتي  الفلاح يوسف ونركب معه على حمارته الملكيه، له سحنة داكنه ، طويل يميل الى النحافه يمشي ويسحب قدمه بحيث تترك اثرا في الارض يشبه علامة إستفهام؟ يقال أنه سقط من نخله ذات يوم على اثرها اصبح لديه التواء في رجله اليمنى، بعدها لم يعاود صعود النخيل قط . يردد دائما هذه العبارات ..على هواك  يا عبود … على هواك يا صلوح …  لم استطيع فك رموز هذه الشفره الى يومنا هذا! كنا نركب معه على الحمارة  متجهين الى المزرعه، اركب في الامام وعبدالله في الخلف ، وكان يوسف حريص كل الحرص على تلك الحماره، على الرغم ان مؤخرتها متورمه وعرفها متين ومائل ومع ذلك يخشى عليها من العين ! أي عين تصيبها ؟ فهذه الحماره لو رأها جني حسود لفر منها هاربا، نسير نحن الثلاثه او االاربعه ! وعندما نصبح على مقربه من سكة “العويشير” حيث يجلس بعض رجال الحي على قارعة الطريق، تأتي الاوامر من يوسف  الى عبدالله  .. عبود .. عبود .. حوّل حوّل … اخاف ينظلونها .. وعندما نتجاوز تلك النقطه الحرجه، والتي أشبه بمثلث برمودا بالنسبة ليوسف،  يعود عبدالله ويركب ونواصل المسير، اما أنا فكنت اتحين الفرصه لأخطف العصى من يده ثم يمهلني قليلا و يستعيدها ثم أخطفها ويستعيدها مره أخرى ونستمر على هذا المنوال حتى نصل الى المزرعه.

 

كبرنا قليلا وفي غفلة من يوسف، وأصبحنا لا نحتاج  اليه ولا الى حمارته المصون، فصرنا نذهب مشيا على الاقدام ومع كل واحد منا  ماعز صغيرة، اشتراهما الوالد نزولا عند رغبة عبدالله! كان طريقنا الى المزرعة يمر من خلال مقبرة ، لاحظت حينها ان الماعز تتوقف فجأه وتتلفت كأنها تبحث عن مصدر صوت قادم؟ لا اعلم ان كان هذا من نسج خيال الطفولة، ام أنهم بالفعل يستمعون الى اصوات من هم في البرزخ؟ ولكن بقي هذا المشهد عالقا بذاكرتي الى يومنا هذا. احيانا نرى راعي الغنم الاعرج  “ابو العِلّيج” مع القطيع  على حماره الاسود وكلبه الاسود “حَجّول” يتولى الحراسة، هذا الراعي يسرح باغنام الحي، يمر على البيوت في الصباح فيدفع الباب الموارب بعصاه،من دون ان ينزل من على حماره، فتخرج الاغنام من خلف الباب،  الواحدة تلو الاخرى وتنضم الى القطيع، ويكررهذا الشيء مع بقية البيوت حتى يكتمل القطيع، ثم يعود بها في المساء ويُدخل الاغنام الى البيوت بنفس الطريقة.  أما يوسف فلم يكن يرحب دائما بقدومنا الى المزرعه او بالاحرى كان طيب القصد ولكنه متقلب المزاج، اما نحن فلم نكن نعبه بذلك، لأن الوالد كان يردد دائما بأ نه اشترى المزرعه لنا من أجل أن نلهو ونلعب فيها! الامر الذي منحنا الثقه امامه على الرغم من أنه كان يشكونا احيانا بأننا نعسّج الزرع ونعفّس المدود ونُحذّف القواطي في كل مكان. على إثرها  سماه الوالد “القواطي” ففي جعبته لقب لكل واحد في البيت! لم يكن ابي من النوع الذي يمطرنا بوابل من النصائح، بل لم يكن حتى يرفع حاجبيه استنكارا، كما أن يوسف لم يرى تجاوبا لشكاويه المتكررة، فالوالد يسمع منه ما يريد فقط، اما بقية الكلام فيذهب ادراج الرياح.لا يخلو يوسف من بعض الظرف ربما الظرف الغير مقصود، ففي أحد الايام جئنا الى المزرعه وكان معنا أحمد وعلى غير العاده احتفا بنا وسأل احمد إن كان يريد “ابدجينه” اي باذنجانه وإلا “رمامينه” اي رمانه، فشكره أحمد، وبعدها بقليل اعطاه ورقه (بروه) وطلب منه أن يوقعها من عند والده الذي كان عمده في تلك الفترة! عرفنا عندها أن يوسف كان يريد تسليك الامور ولكن بطريقته  الخاصة .

 

أحمد …

بطيء عنك إذا ما استغنيت عنه      طلاّع عليك مع الخطوب.
بين الحين والاخر يطوف عليهما أحمد، فهو إبن عم وصديق حميم، يصفه عبدالله معبرا على طريقتة ” أن أحمد أبرد على الكبد من ماء المطر على الارض” وهو يشكل العامود الرابع في جلسة الحلال مع عبدالله وعلي وعبدالوهاب . المحبة والكرم والفضائل والأنس، هي أمورٌ جمعت بين هؤلاء الرجال .فعلى الرغم من مشاغله الكثيرة في الاعمال التي نجح فيها نجاحاً باهراً، كذلك إنتخابه نائباً لرئيس المجلس البلدي والذي جاء بنتيجة ساحقة وبفارق هائل بينه وبين منافسية. فكلما ضاق ضرعاً بتلك الواجبات لا يجد له متنفساً سوى الجلوس مع الاخوان عند الحلال، فسر شخصية احمد في بساطتها وفي ذكاء خواطره، فلسانه عفيف يقفز من فوق  اللغط  بلباقة وبكل رشاقة. هبت عاصفة رملية ذات يوم، ولم يكن عند الحلال سوى عبدالله وعبدالوهاب، وفجأة أقبل عليهم أحمد، فاستغربوا من مجئية في هذا الجو، فلما سألوه لماذا جأت في مثل هذا اليوم؟ فرد عليهم قائلاً .. لقد قلت لنفسي بأن الاخوان لن يأتيهم أحد في هذا الجو المغبر، فجإتكم بغرض المؤانسه ! حقاً إذا  شئت أن تتعرف على صديق، فعليك أن تتفحصه تحت ظروف قاسية وليس تحت وهج  ويسر الحياة  العادية .
هو من الناس الذين يسعدون بخدمة من حولهم،لايتوانا عن تقديم المساعدة لمن هم في حاجة اليها في أي وقت من الاوقات ، دائماً تجده متحفزاً ومستعداً لطالب العون، بغض النظر عن الظرف الاني الذي يعيشه. في الصغر كان يدعى احمد بن حنبل كرمز لتشدد وهو في الحقيقة رمز، لكن للطيبة والتسامح. فقبل الصحوة واثناء الثورة الجنسية التي اجتاحت العالم في الستينات وتلقفنا صداها عبر المسلسلات المصرية، كان أحمد  هو الملتزم الوحيد بيننا،يصلي في المسجد ويحفظ الاحاديث والرويات التاريخيه، كان رأسه ثقيل بالاحلام والطموحات، بأن يكون الناس اكثر تمسكاً  بدينهم،في زمن لم يكن لدى الشباب اهتمام بتلك الامور إلا فيما ندر، فلم يكن يقصد المساجد آنذاك سوى كبار السن، وإنكمشت عبايات النساء من اعلى ومن اسفل! تكشف عن اذرع شبه عارية ومؤخرات بارزة،وباتت  المحجبات يعرفن بالاسماء من ندرتهن، في وقت بلغ فيها التسامح الاخلاقي الى درجة ان البنات لا يضعن العجاب امام القريب على اعتبار انه ليس اجنبي! كذلك إعتدنا النظر الى النساء في الاعراس من فوق السطوح وهن بكامل زينتهن، مع ذلك لا يبدين إلا قليلاً من الرفض، بينما أحمد يقف لنا بالمرصاد ليمنعنا، مستخدما القليل من الخشونة والكثير من التوجيه. ثم جاءت الصحوة بتبعاتها، فوقف منها موقف المعجب الحذر، يسعفه في ذلك دبيب الرشد الذي كان  يسري في عروقه.  ان القرب من أحمد فيه تهذيب للاخلاق وترسيخ لمعاني الصداقة، يقول الفيلسوف مسكويه “الصديق شخص أخر هو أنت” كذلك هو أحمد. فلقد جاء عليه حين من الدهر، صارع فيه الايام فغلبته وغلبها، يتغذى من الاحداث الجارية والواقع اليومي بقدر ما يتغذى من الكتب،فكلما تقدم به العمر تزايدت عليه إعتداءت الدهر والبشر بينما هو يزاداد لمعاناً. حاز على درجة الدكتوراه في تخصص علمي دقيق  وهو قد  تجاوز  الخمسين،  فأثبت بما لا يدع مجالاً للشك  أن الانسان ينضج ويصنع نفسه بالصراع ضد التحديات. بل إن ما يزيد إعجابي بأحمد هو نكران الذات والفهم العميق لأدب الاختلاف، فإذا إختلف مع أحد من الناس، يحاول أن يضع نفسه مكان الخصم، وهذا أمر لا تجده إلا في القلة من الرجال. ورث أيضاً من والده فن التفاوض في حل القضايا الحساسة التي إستعصت على غيره،فقبل ان يدخل في المشكلة يسلك ممر مائي هاديء، إن عبره صار في صلب الموضوع، ثم يبدأ  التفاوض بالاتكاء على وسائد ناعمة وبمنأى عن المياه الخطره، يهدهد الطرف  المتصلّب بالمنطق أولاً وبالدلائل عند اللزوم، ويغلّف كل هذا بفكاهه محتشمه، فيُبرّد المنطقة المحيطة بالخلاف، ثم يبدأ في إغلاق منافذ الاختلاف بأريحيه وإحكام، وبالتالي يحكم الطوق على العضو الملتهب. فحديث أحمد مع الناس، ليس له مثيل، ويترك أثرا لا يُقاوم، ففي اثناء النقاش، تجده ينير عقول الاخرين، بحيث يغرس فيها فكرة ، موحيا اليهم بأنها من بنات افكارهم.فهو مهندس معماري ولكن ليس كأحدٍ من المهندسين، قد يقول لك مهندس أخر بأنك لا تستطيع إضافة طابق فوق بيتك بسبب ضعف القواعد والاعمدة، بينما يقول لك احمد بأن هذا ممكناً ثم تكتشف بأنه على حق! فعلم الهندسة بالنسبة له، ليس مجرد حسابات ونظريات محفوظة في مخزن معلومات، بل فن وتحليل علمي مبني على المشاهدة والتجربة، فأعقد الامور في نظر غيره تنحل عنده في ثواني، يقدم الحل ببساطته المعوده وكأنها دردشة،خالية من المصطلحات الهندسية المعقدة، فلديه من اللياقة الذهنية ما يكفي مهما اختلف حجم المشكلة،من الممكن ان يقدم لك استشارة في اقامة جدار صغير في عريش في النخل، ومن الممكن ايضاً أن يقدم حلاً يحدث تغيراً جذرياً في مشاريع عملاقة، كما فعل  في مشاريع عديدة في الاحساء، عندما ادخل نظام “الخوازيق” ولأول مرة لتغلب على مشكلة هشاشة الارض. فإبداع الخيال العلمي لديه، مكنه ايضاً من الفوز في مسابقة تصميم فندق الاحساء كونتنيتال من بين 12 مكتب هندسي في المملكة تم اختيارهم بعناية فائقة، هذا الصرح  الرزين، الذي يكاد يرد الطرف وهو كليل! لا يزال يعتبر  افضل تصميم فندق في المملكة. كما أن أحمد  يتمتع بخيال خصب يسبح في كل اتجاة والافكار تخرج منة و كأنها تتوالد الواحدة تلو الاخرى، تشعر احيانا بأنها قد نضبت، الا انك تفاجيء بأنها عادت بكل قوة وكأنة استدعى ذكائة الاحتياطي. طبعاً لا يسلم من قفشات وتعليقات عبدالله، الذي لا يسلم منه أحد! عندما يُمسك  عبدالله على أحد كلمة تضحك عينيه أولاً، ثم يلتفت الى الناحية الاخرى بابتسامة خفيفة مع  رمشة عين،  تكون كفيلة بإشعال فتيل الجلسة، ليجد صاحب الكلمة نفسه في مأزق هزلي !  لو قال شخص أخر ما يقوله عبدالله للناس لكانت سبباً أكيداً في إحداث قطيعة، لكنها على لسانه تكون برداً وسلاما على الاخرين، يخيل اليك أن الشخص الذي سوف يَغضب من عبدالله لم يُخلق بعد !حتى المطاوعه طوّعهم بل  وطوّحهم  على الرغم من حساسيتهم المفرطه إتجاه ارائهم! يعلق على  ثيابهم ولحاهم  ويصدمهم في أفكارهم مع ذلك تجد ردهم الوحيد هو الابتسامة. يقول لهم أن كلمة علماء أي “ساينتيس” بالانجليزي،  المقصود بها علماء الطبيعة وليس علماء الدين، لذا فمن الخطأ تسميتهم بالعلماء! بحجة  أن الاديان الاخرى مثل المسيحية لديهم الاب والقس  والكردينال جميعها مسميات لمراتب  خاصة برجال الدين، أما أنتم فابحثوا لكم عن اسماً أخر  . جبل على التصرف وفق رأيه الخاص،  فأصبح منتجاً لأفكار ومفاهيم غالباً ما تكون مثيرة للجدل والسخرية معاً! مع ذلك فله ومضات شعرية رائعه من هنا وهناك على الرغم من من قلة الحفظ لديه، فما يحفظه هو مجرد نتف من الشعر لكنها عبارة عن مفاتيح .  يتجنب الركوع الى المسلمات السائده، ويتلذذ في الاطاحة بالمفاهيم الشائعة بين الناس حتى لو تحدّرت منذ مئات السنين ، كما هو الحال بالنسبة للشعر والفن ، فلقد طعن  الشعر الجاهلي في خاصرته، عندما وصف شعر إمرء القيس بأنه ركيك، بل وسخر من بيته الشهير “كجلمود صخرٍ حطها السيل من علي” ! منتقداً هذا التصوير البشع للحصان، وأحسب أن الدكتور راشد المبارك المفكر والفيلسوف المعروف يشاركه هذا الرأي. كما لم ينجو منه  “فنان العرب”  محمد عبده على الرغم من شعبيته الضاربه، يصفه بأنه ممل وينعته بالفشل. حتى الامثال العربية، انتقدها كالمثل الشائع “في الصيف ضيعة اللبن” بأن الرابط بين القصة والمعنى هزيل ولايستحق هذا الانتشار.

الغضب النبيل …

لقد عشنا أنا وعبدالله لحظات طفولة ظريفة وساذجة تشبه درب الزلق! غضب علينا الوالد في يوم من الايام، علماً بأن المرات التي غضب فيها الوالد لا تكاد تعد على أصابع اليد  الواحدة ، يا ترى هل كان الوالد في حينها غاضبا بالفعل ؟ أم كان  يحاول أن  التمرد  على شخصيته الهادئة والرقيقة ليخرج من دائرة الهدؤ والطمأنينة التي يعيشها فيها ، لحظة غضب ممتعه وظريفه، خليط من الدراما والكومديا . كان الوالد في اوائل الستينات يعمل في البرقيات في الصباح وبعد الظهر يعمل في بريد المبرز في عمارة صالح العفالق (ابوكميّخ ) الواقعة داخل سوق المبرز، في العصر نذهب معة الى البريد ونجلس على كراسي ونقابلة وجها لوجه ، بينما هو  يجلس على طاولة ويأتية الناس ويعطونة رسائل ويأخذ منهم قروش  ويرميها  في علبة معدنية فارغة ، وكلما قذف بقطعة من النقود في العلبة احدثت صوتا لة رنين تجعلنا نهتز ونتحرك ويحملق الواحد منا في الاخر ، ثم نبدأ التناوب في ترديد سموفونية مملة ومزعجة … ابوي عطنا اربعة قروش …. وعلى هذا المنوال نرددها مرار وتكراراً، حالة يا رجل .. تجعل أي اب في الدنيا ربما يفكر في الانتحار!  ولعله  سأم منا ومن واصواتنا النشاز ، وحدث نفسة قائلا ماذا افعل بهؤلاء؟ قلة حياء ، اشكال غلط  وازعاج، ثم دنت ساعة الصفر التي لم نحسب لها حساب ،وسدد ضربتة الاولى الى عبدالله بكف اخذه على حين غره ، كان وقتها سرحان ربما كان يفكر في الغنم ! اما انا فحاولت الهروب العشوائي  والنفاذ بجلدي ولكن الوالد قام بعملية مطاردة تمكن من اعاقتي عند السلم وقصفني من الجو بكف على قفاي جعلني اقفز عتبات السلم اربع …. اربع . بعدها تدحرجت ووجدت نفسي ممددا اسفل السلم وقد انفرجت ارجلي على شكل سبعة وتجمعت ثيابي والتفت حول عنقي. نزل عبداللة وهو يبكي وفي يدة نعلتي  بينما الاخرى كانت تحتي، فنهضت باكياً من بين الانقاض، أنفض الغبار عن ثيابي، وبمجرد ان نظر الواحد منا للاخر تحول البكاء الى ضحك هستيري ! قمة في السذاجة ! حقيقةً يقع اللوم على الذي يلوم الوالد فينا . رجعنا الى البيت، بخفي حنين وكبقايا جيش مهزوم، ولسان حالنا يقول ضرب الحبيب مثل اكل الزبيب.

الجلال العنابي …

الجلال العنابي ..
الوالد غالباً لا يقدم النصيحة إلا إذا طلبت منه، ويحتاج صاحب الطلب الى قدر كبير من الالحاح، إلا أنه ير أن الإخوان يمارسون أعمال اقل بكثير من مستواهم العقلي والعلمي، فهو ير أن عبدالله تنازل عن الكثير بسبب حبه لهذه الهواية، فبدلاً من أن يكون وزير أوكيل وزارة على الاقل إنصرف إلى هواية رعي الاغنام، أما عبد الوهاب ير بان له دور اجتماعي كبير يضعه في مقدمة رجالات الاحساء. فعلى أي حال فكلاهما بالنسبة  للوالد مثل الطيار القادر على قيادة طائرة بينما يصر على ركوب دراجة . بين الحين والاخر يزورهم عند الحلال،ترتسم إبتسامة تعجب على وجه عندما ير البيالات والفناجيل تغسل في طاسة ماؤها عكر! والادها والامر بأنني رأيت علي يوماً من الايام ممسكاً بياله ويغرف من تلك الطاسة ليتوضيء لصلاة! يعود الاخوان الى البلد بعد صلاة العشاء ليتجدد اللقاء صباحاً في بيت الوالد على مائدة الافطار. قبل الثامنة صباحا تكون الوالده أول الحاضرين وقد جلست و لبست الجلال العنابي المنقط،واتخذت لها موقعاً يمكنها من الاطلاع عن كثب على جميع ما يدور في الصالة. الهاتف عن يمينها والمسجل عن شمالها وتستمع الى إذاعة القرآن الكريم تسبح وتهلل معها ، والنور ينبعث من وجها المشرق  وكأنها الشمس وضحها ، والخادمة “خمسيا” تجوب ارجاء المنزل مبتسمة ومرفوعة الرأس  وكأنها احدى  الجواري في قصر هارون الرشيد،  وتمر امي “فاطمة” عابرتةً وتلتفت الينا نصف التفاتة وكأنها تمشي على السجاد الاحمر لتستعرض حرس الشرف!  ثم تغلق  الخادمة “جهيتي” باب المطبخ وهي اشارة الى ان وقت  طحن القهوة او عصر العصير  قد اصبح وشيكاً  . أما الوالد فتجدة  قد لف ازارة  بطريقة محكمة ولبس الفانلية النصف كم والطاقية تهبط احيانا الى اسفل جبهتة واحيانا يترك لها الحرية تتمايل كيفما تشاء وكأنها تتحرك بشكل ذاتي . بين  الحين والاخر يمر على مقاييس الحرارة الموزعة في اماكن مختلفة وبالاخص المعلق على  الشجرة ،  او يجلس في المجلس يقرأ القرآن أو يتصفح كتاب ثم ينهض ويحاول واقفاً  لتصفية محطات التلفزيون ، ذلك الجهاز  التعيس الذي يعاني  من امراض مزمنة مثل اهتزاز الصورة ، التشويش وعما الالوان وما شابة ذلك،  وما يلبث ان يمل و يطفئة.  ثم  يجلس بعد أن يحيينا جميعا، التفت أنا الية واسألة عن حالة؟ فيرد على الفور لا تسأل عني! وهو يشير باصبعه الى الوالدة، اذا كانت هذة المرأة بخير فأنا اوتوماتكيا بخير .. ربما الوالد يعرف  المثل الذي يقول .. إذا أردت أن يرضى عنك أولادك إجعلهم يشعرون بحبك لأمهم … !   والوالدة تبتسم وتلتفت اليه  وتقول لقد شبعنا من هذا الكلام  ، ثم اسأل الوالدة عن حالها فيرد هو عنها ويقول ..  لا تسأل عنها .. انها صحيحة جحيحة  … لا اعرف ما اصل هذة الكلمات وكل ما اعرفة انها احدى المصطلحات الخاصة بالوالد ! في احد المرات حضر الوالد  احدية الدكتور راشد المبارك وكانوا يناقشون الشعر الحر أو التفعيله، فقال ان هذا ليس شعر، وانما هو عبارة عن” شماطيط”   فضحك الجميع وقالوا سوف ندون هذا  المصطلح العجيب  .وفي هذا الاثناء نسمع اهتزاز خفيف للباب الخشب الخارجي، و خطوات لاحذية  لها صوت يشبه الصوت الذي يصدر عن إحتكاك ، ثم يطل علينا ويقول السلام عليكم يارجال، ويخلع غترتة ويصففها بطريقة فنية ، ثم يتجة نحو المكيف  ليضبط توجية الهواء ويتحسس البرودة، ويسأل وملامحة تبدوا غير راضية عن مستوى التبريد ويسأل  متى فتحتم هذا  المكيف ؟منذ فترة  اصابة  عبدالوهاب  حمى المكيفات ولازالت تعاودة بين الحين والاخر ! وفجأة نسمع صوت  خطوات بثينة وهي تهبط من السلم وعلى الفور تحيينا وتسأل ماذا تريدون ياجماعه ؟ فيقول الوالد نتمنى أي شيء من يديكي الكريمتان ، ثم تقتحم بثينة المطبخ لتظبط ايقاع العمل هناك ،  وتتحول الاصوات المزعجة الى ماكولات ومشروبات منعشة، وتعود الينا بصينيه  محملة بما لذ وطاب. بعدها تبدأ  بثينة في تقديم الخدمات وامي تعطيها التوجيهات  عن بعد عن طريق ارسال النظرات لتفهم بثينة ما هو المطلوب؟ نعم صدق من قال الحر تكفية الاشارة .  ثم تأخذ بثينة نفس طويل وتهز رأسها وتغمض عينيها،  وهي تنظر الى ابي وامي وتدعو لهما بطول العمر ، وتلتفت الينا وتقول مارأيكم في هاؤلأ القمرين ؟  ثم يلتفت إليها الوالد مؤنبا وهو يقول .. ما علينا من هذا الكلام، خلونا في المهم، هل يرضيكم هذا الوضع الذي نحن فيه  ؟ لا نستطيع متابعة اخبار العالم  او مشاهدة أي برامج مفيدة … يا بنت الحلال  مجرد  صحين “دش”  يمكننا  من متابعة الاحداث التي تدور في العالم.. ثم تهز بثينة رأسها وهي دلالة على الرفض  القاطع،  وترتعش  عينيها  وتمسح بيدها على شعرها وتتراجع الى الخلف وهي جالسة، وتنحني قليلا الى الامام،  وكأنها تستجمع جميع مافي جعبتها. ثم ترفع رأسها معلنتا بداية الحرب الباردة !  الحرب وليس إلا الحرب على الدش ثم تقول   يا سلام تريدون ان….. فتقول في “الدش” ما قال مالك في الخمر ،  حوار فية  القليل من الحدة والكثير من المرح ، فالوالد غالبا مايستخدم لياقتة النفسية والعقلية في ادارة الحوار ،  وبثينة  تصعد الموقف وفي نفس الوقت تحاول الزج  بعناصر المرح لترطيب الجو ،  والوالدة تتبسم و لاتخفي تأيدها لبثينة،  وينتهي الحوار بنهاية مفتوحة … ثم تنهض بثينة على الفور لتعود بعد قليل  بصينية  الفاكهة، تضعها  أمامنا، لتضع حدا فاصلا او هدنة لهذه المعركة ،  فكما يقول فقهاء القانون الدولي، ان الهدنة لاتنهي الحرب وانما هي توقف مؤقت للعمليات القتالية ،  وهذا هو الذي يحدث هنا بالفعل .بعدها  يلتفت الوالد على من عندة ممازحا ويقول .. لا بد من الاستعانة بآمال “رفيقة بثينة في محاربة الدش” ! ويشبك  ذراعية فوق رأسة ويسند ظهرة وينظر الى الاعلى  وكأنة يحاول ان يقرأ ما سيقول  ثم يعقب … كالمستجير بالنار من الرمضاء !. ثم تطلق بثينة ضحكتتها العالية فعدم التوصل الى قرار يعتبر انتصارا وشيكا بالنسبة لها . ولكن فيما بعد أدرك  الوالد بأن خطته  لم تعد تجدي نفعاً، فقلب استراتيجية اللعبه رأسا على عقب، مستخدماً سياسة التظاهر بالزعل وبعدم الرغبة في الجلوس في البيت كوسائل ضغط! وباطلاق عبارات التأفف، مثل ..نحن من دون (الدش) لا ندري ما يدورحولنا في العالم ؟ نحن في سجن  ! وبدعم خفي من خلف الكواليس من قبل  الوالدة، تهاوت حصون يثينة المنيعة، وفضلت الانسحاب الاختياري على الانسحاب الاجباري، فهي تعرف الخطوط الحمراء ولاترغب في تجاوزها، وبالتالي رضي الوالد عن الصحابة “بثينة وامال”  وتحول الهجاء الى مديح ، كان بأمكان الوالد أن يأتي (بالدش) بدون رضى بثينة، الا أن هذا التصرف يتنافا كلياً مع شخصيتة، فكما يُقال … خيط الرضى اقوى من طوق الحديد .