الخميس، 30 سبتمبر، 2010
مقدمة : متعة التذكّر
“دار الحسا وإن قيل دار فهي الدار .. كم زبّنت مضهود وأغنت مفاقير”
الشاعر سعيد الحمالي
لا أعلم على وجه التحديد لماذا بقيت كتب التاريخ صامتة عن الإحساء لقرون عديدة، على الرغم من أهميتها السياسية والاقتصادية، كأن التاريخ لا يبالي بها بل يقفز عنها ! فثمة انقطاعات في التسلسل الزمني للأحداث لم تجعل مهمة المؤرخين سهلة ،يمكننا تفهم آلية عمل التاريخ من خلال الفحص الدقيق والدؤوب لماضي هذا البلد والذي حسب ظني لا يزال معلقاً. البعض يعزو ذلك إلى الصراع الدائر حولها على مر العصور، من قبل العديد من الأطراف المتصارعة و الطامعة فيها، مما تسبب في اضطراب الأمن من حولها و في الطرق المؤدية إليها، فلربما جعل الوصول إليها أمراً صعباً لدى المهتمين بالتاريخ، وقد عبّر عن صعوبة الحالة الأمنية المبشر صموئيل زويمر عندما زارها عن طريق ميناء العقير عام 1904 م . بينما يرى البعض الآخر من أمثال ف.ش.فيدال بأن المؤرخين الغربيين تحديداً لم يجدوا في الإحساء ضالتهم، فهم غالباً ما يبحثون عن رومانسية الصحراء القاحلة، والتي لم تكن تتوافر في واحة خضراء مثل الإحساء. بينما في حقيقة الأمر لا يمكن بأي حال من الأحوال تجاهل تاريخ ومكانة هذا البلد العريق، فمسجده التاريخي جواثا هو ثاني مسجد في الإسلام تُصلى فيه الجمعة بعد المسجد النبوي، كما شرفها الله بأن نُسجت فيها كسوة الكعبة مرتين، الأولى في المبرز عام 1217 هـ في منزل آل موسى والثانية في الكوت في منزل السقوفي عام 1222 هـ. فضلا عن كونها واحة غناء تُفاجئ القادم إليها من الصحراء بكثافة واتساع رقعتها الزراعية، وينابيعها العذبة المتدفقة التي تدفع بمياهها الأنهار الجارية على الدوام في مختلف الاتجاهات، لتروي مزارعها المنتجة لأجود المحاصيل، من تمر الخلاص والرز الحساوي والليمون والتين. ناهيك عن مركزها العلمي والأدبي فلقد كانت حقاً بلد العلم والعلماء.ناهيك عن هذا الموزاييك المكوّن من شتى المذاهب والأعراق والذي يعتبر مثالاً للعيش المشترك.
كانت الإحساء بلداً تجارياً هاماً حيث ذكر روبرت ليسي في كتابه المملكة بأن شارع السويق عام 1928م كان يعتبر أشهر شارع تجاري في شبه الجزيرة العربية . وقد اشتهرت بالزراعة وصناعة الذهب والنسيج والفخار والحرف بأنواعها. كما ساهم قربها من الخليج الدخول في تجارة اللؤلؤ من خلال ميناء العقير التاريخي الذي يعتبر أشهر الموانئ في المنطقة في ذلك الوقت. وقد حرص عليها العديد من الفاتحين وعلى رأسهم المؤسس جلالة المغفور له الملك عبد العزيز الذي كان قد قال بعد فتح الرياض بأنه لن يهنأ له بال حتى يضم الإحساء إلى مملكته. وكانت تعتبر أهم وأكبر إمارة بعد الرياض ناهيك عن أهميتها السياسية والاقتصادية حيث كانت إدارة بيت مال الإحساء التي ترأسها الشيخ محمد بن أحمد الموسى عام 1355 هـ تمثل الرافد الأساسي لخزينة الدولة.
هذا المشهد الجميل يصعب على الكثير من المتأخرين تصديقه، فلقد تصدعت اليوم تلك الصورة و فقدت بهجتها وبريقها، نتيجة لعدة عوامل طبيعية وأخرى هي من صنع الإنسان. لم نكن أنا وأبناء جيلي لنلتفت إلى هذه اللوحة الجميلة لولا مجالستنا لكبار السن من الأقارب والمعارف – رحم الله الذين قضوا نحبهم وأطال عمر الباقين -، حيث بدأنا نقتنع شيئاً فشيئاً بأن الإحساء كانت مثل الجوهرة في كف بحار مُسن ، فزُحزحت ووُضعت على الهامش نتيجة لظروف تكالبت عليها أدت إلى صدور حزمة من القرارات قد تساوت فيها احتمالات الخطأ والصواب.
بالأمس القريب كانت مطمعاً لكل من لديه أحلام بالسلطة والثروة والتوسع، فلقد احتلها البرتغاليون وتشبث بها الأتراك أكثر من مرة وكانت حلما جميلا طالما راود الإنجليز، و تناحرت من أجلها القبائل وأزهقت على جالها أرواحهم، فلا غرابة فلقد كانت وبكل بساطة المكان الوحيد آنذاك في شبه الجزيرة العربية الذي من الممكن أن يعيش فيه الإنسان ويكتفي ذاتياً . وقد عبر عن ذلك ابن الإحساء و مؤرخ الدولة السعودية الشيخ حسين بن غنام عندما فتح الإمام سعود بن عبدالعزيز بن سعود بن محمد بن سعود الإحساء عام 1222 هـ في الأبيات التالية :
تقاسمتم الاحساء قبل منالها – فالروم شطر والبوادي لها شطر
تعستم فهجر دونها خطة البلى – ودون حماها يقطع الهام والنحر
فلله فتح طبق الأرض صيته – وهزه به البلدان وارتعدت مصر
بك الدين يا عبدالعزيز مؤيد – يعززه بالبيض أبناؤك الغر
ثم دارت الأيام دورتها وتغير حالها، وبدأت تأنّ تحت وطأة تلك الظروف الموجعة، نتيجة اكتشاف البترول وبروز الدمام كمنافس عتيد وبديل عنها، فلم تعد المحاصيل الزراعية تمثل رافداً يُعول عليه لدى الدولة، خصوصاً بعد تدفق الذهب الأسود من تحت أرض الدمام، الأمر الذي أدى إلى نقل كرسي الإمارة منها عام 72 هـ إلى الدمام وكان بمثابة قاصمة الظهر لمكانتها، ومما يثير الدهشة حول دواعي هذا القرار أن الدمام في ذلك الوقت كانت مجرد مرفأً صغيراً أرضه سبخة يسكنه نفر قليل في عشش تابع لإمارة الإحساء .
لقد حاول الملك فيصل مواجهة تلك الظروف الحتمية لإنقاذ الإحساء من الهجمة الشرسة التي صاحبت اكتشاف النفط ،وأمر بعمل الدراسات اللازمة والتي تمخضت عن إنشاء مشروع الري والصرف، حيث أنفقت الدولة بسخاء على هذا المشروع في وقت كانت فيه إرادات الدولة متواضعة ! لقد كانت قصيدة شبّاب العتيبي أمام الملك فيصل – رحماهما الله جميعاً – في افتتاح مشروع الري والصرف عام 91 هـ أجمل وصف لمعاناة الإحساء، علماً بأن منظمي الحفل آنذاك اعترضوا على إلقاء القصيدة أمام الملك بسبب مضمونها الممعن في الجرأة حسب رأيهم في تلك اللحظة! فاطلع عليها الشيخ محمد بن أحمد الموسى والذي قال حينها ” هذا الكلام الذي يجب أن يُقال ” فتدخل بجاهه لدى المسئولين وسمح لشبّاب بإلقائها وقد أُعجب الملك فيصل بالقصيدة وعلى إثرها عينه في الحرس الملكي:
ديرتك في البلدان مجد ومحاصيل
نجد الفقار وهجر مقدم سنامـه
لا الرافدين ولا بردى ولا النــيل
هي نهرك اللي ما يكمل جمامه
يا هجر جاء اللي لو وطأ الأرض كالسيل
رجلٍ الليا وعد وفا بالتزامـــه
لم أكن أشارك الكثيرين الحماس نفسه في كون الإحساء بلد مهم وجميل وأيضاً من الممكن أن يكون بلداً سياحياً، حتى قرأت مقتطفات من كتاب “السعوديون والحل الإسلامي” لمحمد جلال كشك ، والذي قال فيه أن من أبرز إنجازات الملك عبدالعزيز هو ضم الإحساء إلى مملكته باعتبار الموقع وما تفجّر عنه من نفط ومال، حتى وإن كانت مكانة الحجاز في العالم الإسلامي لا سبيل لتقديرها مادياً. كذلك الكاتب البريطاني المشهور ( روبرت ليسي) في كتابه “المملكة” الذي قال عندما ضم الملك عبد العزيز الإحساء فأنه وبكل بساطة قد ضم أهم وأغنى بقعة على وجهه البسيطة إلى مملكته . وذكر أيضاً في نفس الكتاب أن أحد الرحالة الإنجليز زارها في أوائل القرن الميلادي السابق ووجد شبهاً بينها وبين الغوطة في دمشق من حيث الأشجار والثمار وجداول المياه. ومما يعزز هذا القول اختيارها للدخول في مسابقة عجائب الدنيا الطبيعية السبع كأكبر واحة نخيل في العالم . بل أن صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن سلمان رئيس الهيئة العليا للسياحة له مقولة ” من لا يعرف الإحساء لا يعرف تاريخ بلده ” وهو محق في ذلك .
ولكن قدر الله وما شاء فعل , حدثت الانتكاسة فأصبح المتبوع تابعاً وتحولت الإحساء من أكبر إمارة إلى محافظة كسائر المحافظات، ومن سخرية القدر أيضا أن تتحول قرى متناثرة في الصحراء وفي منأى عن مصادر الطاقة والمياه إلى محافظات! بل إن البعض منها انهمر الحظ عليها من السماء وتحولت إلى مناطق ! وكأن سيوف القدر سُلطت على الإحساء لكي تتراجع إلى الوراء بدلاً من أن تخطو ولو مجرد خطوة واحدة للأمام؟ كذلك تم بتر شريانها الحيوي وقطع اتصالها بالبحر وبالعالم الخارجي بعد إلغاء ميناء العقير وتحويل مرفأ الدمام إلى ميناء عام 65 هـ لأسباب تضاربت التكهنات حولها . وفي ظروف غامضة اختارت أرامكو الظهران مركزاً لها عوضاً عنها متجاهلة الغوار وما أدراك ما الغوار! أكبر حقل نفط في العالم والذي يقبع تحت أراضيها .
إن الكثير من أبناء هذا البلد يكتنفهم عنت الحيرة ويتساءلون من غير أن يمتلكوا الإجابة حول الأسباب الكامنة وراء كل الذي جرى ؟ ربما البعض منهم يعتقد بأنها في يوم من الأيام سوف تنفض عن كاهلها هذا الركام وتستعيد أمجادها في القريب المنظور، بينما البعض الآخر من المتشائمين يظن بأنها عبارة عن شهاب سماوي أنطفأ وبرد وفقد نوره .
بين الحين والآخر نسمع عن أراء تشير بأصابع الاتهام وتلقي باللائمة على أهالي الإحساء وأنهم السبب في كل الذي جرى لها، من انحدار وتهميش وتخلف. حاولت مراراً أن أجرب حظي في تفسير هذه الفرضية، ثم أيقنت مؤخراً بأنها مجرد محاولة عبثية مني، وأدركت أن هذا الاتهام عبارة عن ذريعة يختبئ ورائها البعض من المسئولين لتغطية فشلهم وتقصيرهم بحق الإحساء.فأهل الإحساء قد جفت أقلامهم وتعبت حناجرهم بسبب المطالبات، والسؤال الذي يطرح نفسه هل أهالي الدمام والخبر والجبيل وغيرهم من المدن الأخرى التي اجتاحتها عجلات التنمية قد سُجلت لهم أي مطالب؟ الوقائع تشير أن شيئاً من هذا لم يحدث وإنما فاجأتهم التنمية وأتتهم من حيث لا يعلمون.
واقع مؤلم. جميل ما تكتبه. لكن فكر في الكتاب.