صالح .. راوية الإحساء ..
نمط الجلسة عند الحلال غالباً ما يأخذ طابعاً معين إلا في حالات استثنائية، وبالتحديد عندما يهبط صالح الحليبي (رحمة الله عليه) ضيفاً على المكان، عندها تتحول الجلسة حول النار إلى حلقة واسعة تشبه حلقات الذكر مع فارق التشبيه ! تأخذ في الاتساع كلما ازداد عدد الحضور، بينما هو يتولى سرد قصص ، تكرارها لا يزيدها إلا متعة بسبب روحه الطيبة وفنه الخاص في حبك الرواية، في حركاتة وكلامه جاذبية أخاذه ، ويمتلك من الأسباب ما تجعل الناس تصغي إليه بمتعة وشغف. فهو يستحق أن يكون “راوية” الإحساء بكل جدارة .عيناه لونهما تركواز ورثث اللون من أمه فورثهما إلى أولاده، في ذقنه قليل من الشعر الأصفر، يزيد وجهه بهاءً ونورا . بشوش يطيل الترحاب بالناس و تبدو عليه علامات الطيبة والصلاح . يتمتع بحس دعابة متطور، ينثر الملح والنوادر اللطيفة بين من يحبهم ويحبونه وهم كُثر. كما أنه رجل كريم تواق إلى المعاني والخصال الكريمة، فلا غرو فهو ينتمي إلى أسرة عريقة عُرف العديد منهم بالنزعة إلى الشهامة وحب الكرم. والده (علي) كان رجلا معتبراً وشاعراً مفوهاً يكنى بـ “جرير”، يطيل النظر في الناس بطريقة متفرسة لا تكاد تنتهي. اشتهر بقوة الشكيمة ورجاحة العقل وله مواقف عديدة تبرهن على شجاعته وقوة بأسه أمام من يحاول التطاول عليه، فحينما كان يعمل في الخرج، اعتدى عليه أحد أخويا الأمير، وكزه من الخلف وهو يصلي بسبب أنه تأخر عن الحضور إلى المسجد،فأكمل صلاته والغضب الداخلي يمور في صدره، ثم لقنه درساً قوياً وصارماً أمام مرأى ومسمع من أقرانه. فأنشد أبياتا منها :
وطقني رجلٍ تقوى بسلطان – وافهموا يا سامعين المقالي
وقالوا تهيّد قلت أنا القلب قهران – قصدي طق اللي سعى بغث بالي
جيته وهو بين ربعه وشبان – متغطرفٍ يمشي وعقاله ميالي
وأنا ضربته يالنشامى بسفطان – قالوا الحساوي طق عبد جمالي
وتلافتوا علي ربعه بعصيان – وضربت فيهم ضرب حامي اعجالي
وتفاهقوا عني وللدرب ميدان – ومن شاف فعلي قال ذا من رجالي
كذلك زار مصر وعبّر عن مشاهداته بقصيدة ظريفة :
جينا مصر ثم سكنا بزمــالك – والنيل فيه ناس دايم يعبــرون
وفي جاله الأشجار وظل متدالق – ومتعلمين أهل البلد فيه يمشون
وحتى أكلهم دايم بالمعالق وأنا – افتكر يا ناس هم بيشبعون ؟
والدرج فيه البلاط المزالق – ولا أقدر أسرع فيه ممشاي بالهون
وفيها البنات اللي صدورها مبالق – ومن عادة الإسلام لازم يسترون
وفيها اختلاط قريب للملابق – الله وأعلم بالذي هم يسوون!!
أما صالح فلقد كان باراً لوالده , ولديه رغبة في الاختباء وراء الهيبة المبجلة لأبيه. على العكس من والده صالح ملامحه وديعة وتغشى وجهه ابتسامة متمهلة،شفته العليا المقببة تكشف عن أسنان بيضاء ولثة وردية اللون. حين يضحك تفيض ضحكته فيتلقفها بين يديه كالماء. عمل مهندس مضخات لدى وزارة الزراعة فأصبحت لديه خبرة تراكمت ببطء على مدى سنوات عديدة، بحيث أصبح بارعا ومبدعا فيما يقوم به. فمهنته التي فرضت عليه تكرار السفر، جعلته يتعرّف على العديد من رموز القبائل والعشائر في أنحاء المملكة، تسعفه أريحيته وحاجتهم الماسة إلى مهنته في استخراج الماء . صالح لا يتصنع الظرف أو خفة الظل، بل هي في طبيعته.أحياناً عندما يزور صديقاً له ولا يجده يترك له “مارية” أي علامة وهي عبارة عن حبل طويل يلفه على الباب أو السيارة، أي أنني جئت ولم أجدك!في أحد الأيام قابله اخي عبدالله في سوق الغنم، فسلم عليه فوجده متجهما على غير العادة، ثم عاد بعد قليل وسلم على عبدالله مرة أخرى ، فقال له مستغرباً لقد سلمت عليك من قبل، فرد عليه صالح نعم أنا أعلم ذلك! ولكني كنت في المرة الأولى “مُقلدم” أي مُبرطم! كما أنه يجمع بين الدبلوماسية وخفة الدم خصوصاً في التخلص من بعض المواقف الحرجة، بطريقة لا تخطر حتى على بال عتاة الدبلوماسية في العالم. ففي قصة زواجه الثاني شاهد على ذلك، حينما استخرج فيزا بغرض الزواج من سوريا، فعلم أقرباؤه فضغطوا عليه من أجل الزواج من امرأة محلية ! أرسلت تلك المرأة فيما مضى زوجين إلى المقبرة! ولا تتمتع بالحد الأدنى من الجمال، فلم يجد مخرجاً من هذه الورطة أو ربما الكابوس ! فالتفت إليهم بعد أن أكملوا حديثهم وإلحاحهم عليه، فرفع حاجبيه ومط شفتيه واضعا يده على صدره وقال .. بس أنا عندي فيزا ! أي بأن ليس لدي مانع من الزواج منها، ولكن أنا الآن قد أصبح عندي فيزا! فتملص من ذلك الزواج. عندما يبدأ في سرد القصة، تجد عينيه على الدوام تراقب من دون أن يشعر به أحد،ليتأكد من أن الجميع يتابع، وإذا أراد جس نبض المتابعة لديهم، يلفق كذبة في ثنايا القصة! فمن يكتشفها يفوز برضاه! كما حدث مع عبداللطيف الموسى،حيث كان صالح يروي قصة “حظوظة” وهي سبخة في الشمال يقال إذا دخل فيها أحد تلتهمه والسبب ان ارضها رخوه ، وبأنه كان راكباً مع صديق له يقود السيارة،فلم ينتبه السائق بأنه على مرمى حجر من حظوظة بسبب انعكاس أشعة الشمس في وجهه، فصاح صالح على السائق حظوظة .. حظوظة و رمى بنفسه على مقود السيارة فانحرفت باتجاه آخر بعيداً عن منطقة الخطر. فلما هدأ الموقف وانقشع الغبار، أنب صالح السائق لجهله وعدم انتباهه للطريق، ثم انطلقا في طريقهما وقصدا أحد الشيوخ في قرية على الطريق،فرحب بهما وكان رجل كريم وصديق ودود لصالح، فعرض عليهما المبيت فاعتذر صالح ولكن الرجل أصرّ، ولكي يقطع عليهما الطريق، ويضمن بقائهما، أدخل يده في جيب صالح وأخذ مفتاح السيارة ! فأعترض عليه عبداللطيف في الحال سائلاً .. ما الذي جاء بمفتاح السيارة في جيبك ولم تكن أنت السائق؟ فوضع كفه على فمه وهو يضحك بضحكة مكتومة، وينظر إلى عبداللطيف بإعجاب لاكتشافه الكذبة التي كانت في سياق القصة.
السلام عليكم عزيزي : الأستاذ صالح الموسى. مواضيع قيمة, تجب ان توضع في الكتاب لتحفظ للأجيال. كذلك, ان يوضع في نهابة كل موضوع, تاريخ الكتابة,.. تحياتي
اخي الفاضل عبدالله البحراني … شاكر ومقدر زيارتك للمدونة واقتراحك محل اهتمامي … المشكلة ان القليل من الناس يقرأون الكتب هذه الايام فلربما تكون تكون المدونة اكثر انتشار … استنير واعتز برأيك ؟
السلام عليكم, هل من طريقة للتواصل معك.
عبر الجوال, أو الأيميل.
0506927748
عبدالله البحراني.
يشرفني ويسعدني التواصل معك واليك رقم جوالي 0500168662
كلام جميل وذكرى أجمل ( رحمهما الله ) .. ألف شكر لك يا أستاذ : صالح الموسى
الجميل مرورك اخي محمد ولا شكر على واجب