خطوط المحراث …

1
دون عنوان 500 x 500 بيكسل 1 result

لندن… الثاني من حزيران من عام 90

وشربنا من إناء واحــدٍ       وغسلنا بعد ذا فيه اليديـــــنَ

وتمشينا .. يدي في يـدهِ           من رأنا قــال عنا أخـــوينَ

أحمد شوقي

خطوات مع الوالد …

 كنت جالسا في مكتبي الصغير في العمارة الكبيرة رقم 26 كوينز جيت الواقعة في حي (سوث كنسينغتون) في لندن . كنت اشاهد وأتأمل من خلال نافذتي مبنى الكلية الامبريالية (اميبريال كولوج) وطلابها في حركة دؤوبة وتزاحم عند المدخل.هذه الكلية تعد من اعرق المؤسسات التعليمية في بريطانيا،يكفيها أن أحد طلابها العالم المشهور (الكسندر فلمينق) مكتشف عقار البنسلين ومن المفارقات العجيبة ان (المهاتما غاندي) الذي حرر الهند من الامبريالية ايضا خريج الكلية الامبريالية …! بعد مضي عدة سنوات تذكرت حديث اختي أختي ليلى معي ورغبتها القوية في كتابة مذكرات عن الوالد. ولكن نحن من طينة البشر عندما يصبح الحاضر ماضيا نتشوق اليه والى اصغر لحظاته بوله وحنان كبير.وقد لاتكون هذه مذكرات بقدر ماهي تأملات في شخصية انسان في قلبه دفء وسمو احب الناس جميعا فاحبوه .فعلى الرغم من  طبيعة عملي والتي  تحتم علي العمل في الخارج  فالشعور بالمرارة يلازمني دائما كلما كنت بعيدا عنه. فالبعد عنه فيه غَمّ والقرب منه انفراج الى فضاء اوسع وارحب . ولكنها   الغربة المقيتة تقربك من أشياء وتبعدك عن أشياء أخرى .

من الأشياء التي لست انساها مهما طال الزمن هو المشي قبيل الغروب مع الوالد،كنت في اوائل الثلاثين وهو في منتصف الستين.  ذكرى سوف تعجز الايام والسنين أن تمحوها. لم يكن الوالد يمارس المشي على انها رياضة او هواية بل هي عادة اعتادها منذ أن كان في مقتبل العمر، في شهر نيسان-ابريل عندما تكون الاشجار محملة بالثمار نسير انا وهو يدي بيده بين النخيل في طرق تفوح من على جنباتها رائحة التربة بعد ان حرثتها المسحاة بسواعد الفلاحين، تُذكّيها نسائم عَبقت بها روائح من زهر الرمان والليمون وعذوق النخيل.نمشي متلازمين في طرق ضيقة وملتوية نتتبع السواقي واحيانا نتسلقها.يحدثني عن النخيل واصحابها وتاريخها ويقلب صفحات الماضي والحاضر فنعرّج على الأدب والشعر فيتجلى الوالد بابيات من  شعر ابن المقرب …

من ارعف  السيف من هام العدا غضبا

للمجد حق له ان يُرعف القلم

وبيت أخر من قصيدة اخرى  …

وأحفظ الملك من لعب الرجال به

فالملك لا يدوم على اللعبِ

ثم يسترسل في قصيدة اخرى …

سل القرامطة من شذ جماجمهم

وأدعاهم بعد الملك خدما

وأخسرُ الناس ربُ مملكة

أطاع في أمره النسوانَ والخدمَ

عند الغروب نعود الى المزرعة ويكون اخي عبدالوهاب في انتظارنا ورائحة القهوة المنبعثة من المطبخ تهتف لنا من بعيد فنؤدي الصلاة ثم نتناول القهوة فيقفز الوالد الى البركة بطريقة فيها انسيابية وعنفوان يصعب على الكثير من الشباب اداؤها . كانت الحرارة في الايام الاولى من نيسان- ابريل من عام 99م اعلى من المعدل الطبيعي والمعتاد في هذا الوقت من السنة، ولكن هذا الشيء لم يمنع الوالد من ممارسة رياضة المشي في الطرق الزراعية الواقعة شمال المزرعة ، وكنت أسير معه مثل الزورق الصغير بجانب السفينة العملاقة ، وعلى الرغم من حرارة الجو  العالية فأن منظر النخيل والأشجار  وهي محملة بالثمار كان يبعث البهجة والسرور إلى النفس،  زهر الرمان الأحمر والتين والبلح لايزال اخضر. هذه اللوحه الجميلة لم اكن لألتفت اليها لولا ملازمتي للوالد في تلك الفترة البسيطة ، وبدأت اقتنع شيئا فشيئا بأن الاحساء جوهرة ولكنها في أيدي اناس لا يفرقون بين الجواهر والحجر الاصم ، والوالد على قناعه كبيرة بأن الاحساء زُحزح ووضع على الهامش من قبل اشخاص ظلمه وحاقدين تعمدوا الاسائة اليها ، وفي طريقنا نمر على نخلة عوجاء قد مالت ميلا شديدا  وكنا نراها ونقول بأن هناك شبها بين هذة النخلة وهذا  البلد الكل منهم يعاني والكل منهم صامد ، بالامس كانت فريسة لكل كاسر واليوم تعيش على الهامش. لم اكن اشارك الوالد الاندفاع نفسه في كون الاحساء بلد مهم وجميل ومن الممكن ان يكون بلدا سياحيا حتى قرأت مقتطفات من كتاب السعوديون والحل الاسلامي لمحمد جلال كشك ، والذي قال فيه ان اعظم انجاز للملك عبدالعزيز هو الاخوان وضم الاحساء الى مملكتة والكاتب البريطاني المشهور ( روبرت ليسي) في كتابه المملكة الذي قال عندما ضم عبدالعزيز الاحساء إلى مملكتة فأنه وبكل بساطة قد ضم إنى و اغلى بقعة على وجهه البسيطة  وقال ايضا انهم يحتفلون كل عام من شهر سبتمبر بتوحيد المملكة والاجدر بهم الاحتفال بيوم 4مايو من عام 1913 م وهو اليوم الذي اصبحت فية الاحساء جزأ” من المملكة ، وذكر في نفس الكتاب أن احد الرحاله الانجليز زارها في القرن السابق ووجد شبها بينها وبين الغوطة في دمشق من حيث الاشجار والثمار وجداول المياة .بيد أن الوضع الحالي للأحساء محير جدا هل يمكن القول بأنها سوف تستعيد امجادها في القريب المنظور من يدري …؟ ربما …! مع كل هذا لا يكف الوالد بين الحين والاخر عن الزج بعبارات فيها حس دعابة فيه سرعة بديهه وذكاء فطري.  فقد قلت له في أحد الأيام بأنني قد اشتريت منزلا في بريطانيا وابحث عن لوحة فنية بالاسود والابيض معبرة عن بيئتنا أعلقها على الحائط في المجلس … فرفع رأسه قليلا  وتظاهر بأنة ممعن في التفكير  ثم استوقفني واستدار نحوي وقال: صورة لعبيد بن جلوي وهم يجلدون رجال في السوق  … !ومرة قلت له  أن ابني راشد آلف قصيدة نبطية مطلعها …  شبت النار شبت في البحر ! فضحك وقال على الفور  … وطفيناها بالحطب…   ضحكت ذلك اليوم من أعماقي على الرغم أن الأيام الاولى في لندن وفي ذلك الوقت بالذات لم تكن تشجع على الضحك .

أمي وأمها

الوالدة العزيزة هذة المرأة التي تحمل هموم الاخرين الصغار والكبار القريب والبعيد تسعد لسعادتهم وتحزن لحزنهم .هذا القلب الكبير والمفعم بالحنان والذي يتسع للجميع يتحمل الكثير من المشاق في الحياة من قضاء حوائج الاخرين  .عندما نجتمع يخيل اليك بأنها  تحاول ان تقوم بأدوار الجميع تريد ان تلبي طلبات الكبار وتحمل همومهم و عينها على الصغار خشية  ان يصاب احدهم بأذى . لم اعرف  المعنى الحقيقي  للكرم الا من خلال معايشتي لها  ولم اعرف الكرم بلا حدود الا منها .ولم اعرف احدا ينفق من قل الا هي .  بل انها احيانا تنفق على اشخاص هم اكثر مالا منها ! انا على يقين بان هنالك قدرة الاهية تتدخل في كثير من الاحيان لسد النقص الذي يواجهها … اليس الكريم حبيب اللة ؟ تروي لنا عن فقدها لامها في سن مبكر وهي الكبيرة من بين اخواتها  تقول : كانت أمي على الفراش تعاني من نزيف حاد  بعد الولادة والنساء ملتفين من حولها ليس لديهن حول ولا حيلة وأنا وأخواتي متجمعين في زاوية الغرفة نراقب المشهد بأعين بريئة وخائفة  .وفي هذه  الاثناء حاول  النساء إخرجها في الفناء حيث الهواء الطري والجو أقل حرارة فرفضت وقالت لاتفعلوا حتى يأذن إبن كثير اي زوجها ، فجاء أبي من عند ضيوفه ممسكا المبخرة بيمينه  فوضعه رأسا في الروزنة ، وفي تلك اللحظة فارقت أمي الحياه، وعينها محدقة في عيني ،وأغمض أبي عيناها بسرعة وأمر بإخراجنا على الفور .ربما أمي طلبت  إستدعاء أبي لتقول له وداعا ، وتقول لي قلبي معك يابنتي  من خلال نظرتها الاخيرة لي ، وفي تلك اللحظة أصبحنا بلا أم  واصبحت أنا ربتا للبيت وأنا لم أبلغ سن الحلم وطويت صفحة ومر عام وتلته أعوام والحمدلله ربي العالمين . هذه قصة امي رحمه الله كما سمعتها منها.

اسأل او اتسائل في بعض الاحيان كيف استطاع الوالد ان يصل بعلاقتة مع  هذا العدد والتنوع في الاصدقاء وهذه المنزلة العالية من الإخاء والود بينه وبينهم ؟ اللافت للنظر ان هذة العلاقة لم تتكون حديثا او تتطور تدريجيا بل انها كانت موجودة منذ كان هو شاب وشاهدناها وعشناها معه ونحن اطفال. ليست مجرد علاقة قائمة على التقدير والاحترام المتبادل  وما شابة ذلك .. انها ابعد واعمق من ذلك بكثير انها الاخوة الراسخة  القائمة على اساس متين وقوي من الحب . من الناحية المادية فليس لدى الوالد  مايغري الناس ولا هو صاحب منصب فيحتاجون الية  .  لابد أن الذي لدية اغلى واثمن من هذة الاشياء .  انها خصال تعتبر نادرة حتى  في زمن الطيبة والبساطة فما بالك في هذا العصر زمن الماديات واللهث وراء المصالح .

غالبا ما كنت اشاهد الوالد وأنا طفل محاطا بأصدقائة خصوصا في المناسبات الكبيرة واحيانا يأتي احدهم ويأخذة ليتحدث معة على انفراد مشهد يتكرر دائما  امامي وكنت اسأل نفسي ماهو السبب وراء ذلك ولماذا هو بالذات . فأما انهم كانوا  يستشيرونة او انهم  يفضون الية بعض  اسرارهم  فهو اهلا للمشورة من ناحية وامين على اسرارهم من ناحية اخرى . والوالد  يؤمن ايمانا قويا بالخصوصية وأن الناس لهم خصوصياتهم ويجب المحافظة ليها.يفرح فرحا من اعماق قلبه  اذا حقق احدا من  معارفة نجاحا في أي مجال حتى انة لا يستطيع اخفاء فرحة .   في احيان كثيرة تجدة صديق للاب وابنائة مثل العم محمد والعم حمد وغيرهم وصديق للخال محمد والخال عبدالرحمن على الرغم من الفارق الكبير بينهما في السن والمزاج . وفي بعض الاحوال يكون القاسم المشترك لشخصيات متنافرة لا يجمع بينهم الا انهم جميعا اصدقاء لة . هل هي القدرة على مواءمة من لايتوائم ؟  ام أنها حاله من السمو الذاتي والترفع  عن الخلافات الشخصية ؟ نعم  انة في حالة تحليق دائمة عن سفاسف الامور . لة مكانة في قلب كل انسان يعرفة ولة مكان في كل مجلس   يرتادة . منذ الصغر وأنا اتسائل لماذا تنهمر الدموع وتعلو الزفرات من وداد بمجرد ان تقابل  الوالد انها لحظات تجعلنا جميعا نشعر بالحرج  وبعد ان كبرت فهمت انها لاتستطيع التعبير عن حبها الكبير للوالد الا بهذة الطريقة فحبها لة اكبر بكثير من الكلمات ولكن لماذا هذا الحب الكبير ؟ والسؤل الذي يجيب على سؤل لماذا لا يكون هذا الحب لمثل هذا الرجل ؟  محمد بن أحمد العفالق له  فنه في سرد الاحاديث والرويات  ، أبو منذر الاستاذ والمهندس ، وهو الترزي والمكوجي ، لا يذكر إلا وتذكر قصته مع الوالد لقد وقفوا يوما من الايام  أمام البيت من بعد صلاة العشاء وحتى أذن الفجر في حديث من جانب واحد  مستمر لا يقطعه إلا إلتقاط الانفاس وشفط السيجارة.

أسرار …  السباكــــة

للوالد اهتمامة الخاص بالسباكة ولة طرقة الفنية في عمل التمديدات . وغالبا ما يشرف على اعمال السباكة بنفسة بدون ملل او كلل فالمسألة بالنسبة لة متعة . ويقضي الساعات الطوال مع العمال لايغيب عنهم الا اوقات الوجبات والصلاوات ولا اعتقد ان العمال يشتغلون بقدر ما ياكلون لان الوالد لايتوقف عن تقديم ما لذ وطاب لهم وتجد الوالدة وبثينة ومعهم الخادمة  في حالة  استنفار  يجهزون لهم الطلبات  والوالد يحمل الصواني ذهابا وايابا بين العمال والمطبخ والغالب ان حجم الطلبات يفوق القدرة الانتاجية للمطبخ بعدها يحتدم الجدال وتعلو الصيحات ثم  ينسحب الوالد من بينهم بكل هدؤ  بعد ان تأكد بأنهم بالفعل قدموا كل ما بوسعهم  . اما بالنسبة لنا جميعا فسباكة البيت احد الاسرار  التي لم يكشف عنها النقاب . المحابس موزعة في اماكن مختلفة يصعب على الانسان العثور عليها لان البعض منها تحت الارض وفي مخابىء واحيانا خارج حدود المنزل . في احد المرات توقف الماء عن الطابق العلوي فقمت بفتح جميع المحابس ولم يحدث شيء واغلقتها ولم يحدث شيء ايضا !! نعم ان السباكة لغز لا يستطيع فك رموزة غير الوالد . الخزانات الواحد منها يصب في الاخر والمضخة تعمل على مدار الساعة ومع ذلك تفاجيء بان الماء مقطوع ثم ياتي الوالد و بحركة تلقائية و بسيطة يشبك طرفي خرطوم ماء مرمي على الارض وبقدرة قادر تعود المياة والحياة الى البيت احيانا اشعر ان البيت يشبة احد معامل ارامكو او مفاعل معد للاغراض السلمية طبعا …!

ألـــــــــرأي

الوالد يحرص دائما بان لا يقدم النصيحة الا اذا طلبت منة ويحتاج صاحب الطلب الى قدر كبير من الالحاح . لم اكن اعرف ان مشورة الوالد لها قيمة كبيرة عند الناس الا من خلال مجالستي للعم عبدالرحمن فهو يعتبر شخصية استشارية درجة اولى بل وحتى خمس نجوم على مستوى الاحساء . ولاحظت حرصة الشديد على الاخذ برأي الوالد . على الرغم من الوالد لا يعطية الرأي بسهولة واحيانا لا ياخذ الطلب على محمل من الجد . واحيانا يمتنع عن الادلاء بأي رأي بطريقة لا تخلو من المرح مثل اللاعب الماهر الذي يرمي بالكرة الى خارج الملعب اذا كانت مصلحة الفريق تقتضي ذلك. العم عبدالرحمن هبأ نفسة لاستقبال الناس وتقديم المشورة لهم ولو فعل الوالد الشيء نفسة لاتاة الناس من كل حدب وصوب ولتزاحم الناس عند باب بيتة والسبب ان الوالد لا يعرف الا طريق واحد في الحياة وهو طريق الخير والخير فقط . فكما اسلفناان العم عبدالرحمن شخصية مرموقة ولة طريقتة الخاصة في الحياة ولة روتينة اليومي والذي ليس من السهل ان يأتي احد ويغيرة وكان يجلس بين المغرب والعشاء في الشتاء في غرفة في الحديقة الامامية لمنزلة (الملحق) فانتقدة الوالد بشدة وقال لة لماذا لا تبيعون اثاثكم الذي في المجلس او احرقوة احسن لكم فبادر العم على الفور وانتقل الى المجلس بكل رضا وسرور وتقبل رأي الوالد والابتسامة العريضة على وجهة واصبح يردد فيما بعد كلما سألة احد ان السبب هو ابو عوف وهو يقول هذا الكلام والابتسامة لا تفارقة سعيد بأنة أخذ برأي الوالد . حتى سفر العم الى مصر كان للوالد دور كبير فية فالعم قضى حياتة لا يملك جواز سفر وكان ابنائة يحاولون اقناعة وكان يرد عليهم (اذا قيل لك لا تصدق ) وبمجرد ان الوالد استحسن الامر امامة لم يتوانا ووافق في الحال .اكاد ان اجزم بأننا جميعا   بقدر ما نببتعد عن رأي الوالد بقدر ما  نبتعد عن الصواب في كل مرة نتعصب لرأينا ونخالف رأية نكتشف لاحقا بأنة كان محق ونحن على خطأ حدث ذلك في  امور عديدة في الزراعة و البناء والبيع والشراء  والوالد لا يتظايق اذا رأنا  لا نأخذ بمشورتة ونمعن في الخطأ لانة  يريدنا ان نصارع الايام و نتعلم من اخطأنا لقد سمعت كلاما منة قريب جدا  من هذا المضمون .

الغضب النبيل

المرات التي غضب فيها الوالد لا تكاد  تعد على أصابع اليد  ، هل كان الوالد في حينها  غاضبا بالفعل ؟ لا.. لا يمكن فشخصيته تتنافى جملتا وتفصيلا مع هذا النوع من السلوك ، ربما كان الوالد يحاول أن يتمرد على شخصيته الهادئة والرقيقة  ليخرج من دائرة الهدؤ والطمأنينة التي يعيشها فيها ،لا أحد منا  يذكر أن الوالد  قد اتخذ موقفا من أي إنسان في حياته ، نعم هو يتظايق من سلوكيات بعض الاشخاص وليس من الاشخاص انفسهم، احد الاقارب لة بعض التصرفات التي تسيء للاخرين  ،  فيتظايق الوالد منها  لانها مسألة في غاية الحساسية بالنسبة لة   وعندما يأتي ذلك الشخص   لزيارتنا يتظاهر الوالد   بأنة يقرأ جريدة او كتاب ليرسل الية رسالة عتاب ، هذة هي اقصى درجات العنف عند الوالد  ، دائما انا وعبداللة نتذكر لحظة  غضب ظريفة و طريفة  عشناها مع الوالد ، خليط من الدراما والكومديا . القصة قبل 35 عام كان الوالد يعمل في البرقيات في الصباح وبعد الظهر يعمل في بريد المبرز في العمارة الواقعة داخل السوق  . عمرة في ذلك الوقت 37 أي اصغر مني الان وعمر عبداللة 9 وعمري 7 سنوات  ، كنا نذهب معة الى البريد ونجلس على كراسي ونقابلة وجها لوجة وكأننا اصنام بلهاء  ، الوالد يجلس على طاولة ويأتية الناس ويعطونة رسائل ويأخذ منهم قروش يضعها في علبة معدنية فارغة وكلما قذف الوالد بقطعة من النقود في العلبة احدثت صوتا لة رنين تجعلنا  نهتز ونتحرك وينظر الواحد منا للاخر ، ثم نبدأ التناوب  في ترديد سموفونية مملة ومزعجة … ابوي عطنا اربعة قروش …. وعلى هذا المنوال … نعم انها حالة تجعل أي اب في الدنيا يفكر في الانتحار  ، ولعل الوالد نظر الينا ورأى في اشكالنا غباء مستحكم واصواتنا نشاز وشهاداتنا مليئة بالدوائر الحمر ، وحدث نفسة قائلا ماذا افعل بهاؤلا البهائم غباء ، اشكال غلط  ، وازعاج عندها دنت ساعة الصفر وسدد الوالد ضربتة الاولى الى ابوالحارث حيث اخذة على حين غرة كان وقتها سرحان ربما كان  يفكر في الانترنت ! اوالغنم !اما انا فحاولت الهرب ولكن الوالد قام  بعملية مطاردة تمكن من اعاقتي عند السلم وقصفني من الجو  بكف على قفاي جعلني اقفز عتبات السلم  اربع …. اربع .  بعدها تدحرجت ووجدت نفسي ممددا  اسفل السلم وقد انفرجت ارجلي  على شكل سبعة   وتجمعت ثيابي والتفت حول عنقي ونزل عبداللة وفي يدة نعلتي  والاخرى كانت تحتي  وبمجرد ان نظر الواحد منا للاخر  تحول البكاء الى ضحك قمة السذاجة ! حقيقتا يقع اللوم على الذي يلوم الوالد . رجعنا الى البيت وكأننا بقايا جيش مهزوم  ولسان حالنا يقول ضرب الحبيب مثل اكل الزبيب.

حــــــــــوار

عندما يكون الوالد جالسا  في البيت تجدة  قد لف ازارة  بطريقة

محكمة ولبس الفانلية النصف كم وفي كثير من الاحيان تكون مقلوبة   وعادتا يلبس سروال ابيض تحت الوزار فهو رجل حريص على اخذ جميع الاحتياطات في كل شيء .!. والطاقية تهبط احيانا الى اسفل جبهتة واحيانا يترك لها الحرية تتمايل كيفما تشاء وكأنها تتحرك بشكل ذاتي . بين  الحين والاخر يمر على مقاييس الحرارة الموزعة في اماكن مختلفة وبالاخص المعلق على  الشجرة ،  او يجلس في المجلس يقرأ كتاب  اويحاول   وهو واقفا  تصفية محطات التلفزيون ، ذلك الجهاز  التعيس الذي يعاني  من امراض مزمنة مثل اهتزاز الصورة ، التشويش وعما الالوان وما شابة ذلكوما يلبث ان يمل و يطفئة ويجلس .  وفجأة تدخل بثينة ويلتفت اليها مؤنبا هل هذا يرضيكم هذا الوضع  ؟ لا نستطيع مشاهدة اخبار او أي برنامج مفيد … يا بنت الحلال  مجرد  صحينيمكننا من متابعة الاحداث التي تدور في العالم.. ثم تهز بثينة رأسها وهي دلالة على الرفض  القاطع  وترتعش  عينيها  وتمسح بيدها على شعرها وتتراجع الى الخلف وهي جالسة وتنحني قليلا الى الامام  وكأنها تستجمع جميع مافي جعبتها ثم ترفع رأسها معلنتا بداية الحرب الباردة  وتقول يا سلام تريدون ان…..ثم تقول في الدش ما قال مالك في الخمر ،  حوار فية  القليل من الحدة والكثير من المرح ، فالوالد غالبا مايستخدم لياقتة النفسية والعقلية في ادارة الحوار ،  وبثينة  تصعد الموقف وفي نفس الوقت تحاول الزج  بعناصر المرح لترطيب الجو ،  والوالدة تتبسم و لاتخفي تأيدها لبثينة  وينتهي الحوار بنهاية مفتوحة … ثم تنهض بثينة على الفور لتعود بعد قليل  بصينية الشاي او الفاكهة لتضع حدا فاصلا او هدنة  بين المعارك ،  فكما يقول فقهاء القانون الدولي ان الهدنة لاتنهي الحرب وانما هي توقف مؤقت للعمليات القتالية ، وهذا هو الذي يحدث هنا بالفعل .بعدها  يلتفت الوالد على من عندة ممازحا ويقول لا بد من الاستعانة بآمال ! ويشبك  ذراعية فوق رأسة ويسند ظهرة وينظر الى الاعلى  وكأنة يحاول ان يقرأ ما سيقول  ثم يعقب … كالمستجير بالنار من الرمضاء !. ثم تطلق بثينة ضحكتتها العالية فعدم التوصل الى قرار يعتبر انتصارا وشيكا بالنسبة لها .

 التسعاوي … 

من القضايا التي يتبناها الوالد ويستميت في الدفاع عنها هي التسعة انها  سيارته او بالاحرى  معشوقته المفضلة اسم الدلع التسعاويينفق عليها الاموال الطائله  بدون اي تردد او اي مردود ،و يشعر بالنشوة وهو يقودها و كأنة طيار يستعرض بطائرته من على ارتفاعات منخفضة .

يحب من يمدحها  ولا يصغي  لمن يذمها  ، يبحث لها عن الظل ولو كان في مكان  بعيد مع العلم ان بشرتها عبارة عن  خليط من اللون البني والصدأ ، يا ترى ما هو السر الكامن وراء هذه العلاقة ؟ ربما هذة السيارة  تختزن في جوفها بعض المعاني.. نعم  ان الكثير من الناس يجتذبهم القدم وتستهويهم  رائحة التاريخ وهذ هو الارجح حسب تصوري لانة لم يهتم بها الا عندما اصبحت قديمة والاشياء القديمة بشكل عام  لها مكانة عندة وهذا الذي يعكس حبة لاكواب الشاي القديمة السنقيل وبريق السومر العراقي ولا يزال ايضا يحتفظ ببعض الكتب والمخطوطات الاثرية  و بنسخ قديمة لمجلة العربي ربما تكون العدد الخامس او السادس ويوصينا دائما بتصوير ابنائنا والمحافظة على كتاباتهم ورسائلهم وعندما قمنا بتوسعة المجلس حرص على ان تكون ساعة الحائط من النوع القديم ،  وعلى أي حال فلا غرابة في حب الوالد لتسعة فالوفاء عندة ليس لة حدود حتى الجماد له نصيب من ذلك  .

الرأي والحديث

بعد ان كبرنا وحصلنا على الشهادات الجامعية وقرئنا في التاريخ والدين والادب وما شابة ذلك . اصبحنا نختلف فيما بيننا من جهة ومع الوالد من جهة اخرى  حول العديد من الموضوعات السياسية والفقهية والاجتماعية كالحجاب والدش والاغاني

وعبد الناصر واشياء اخرى . ومن الواضح كل الوضوح ان الوالد ينتمي الى مدرسة الرأي المنتشرة في جمبع انحاء العالم العربي والاسلامي   بينما  تنتمي بثينة الى مدرسة الحديث ولكي اكون أكثر دقه فالوالد يعرف تماما بأن هنالك فرقا بين ما هو كائن وما يجب أن يكون وعلى أي حال   فالخلاف هنا  حول الاسلوب فقط  بينما يبقى المبدأ بمنأى عن ذلك فالوالد افكارة اسلامية بحتة من المبتدأ الى المنتهى وحافظ لمعظم كتاب اللة ولدية المام كبير باللغة والفقة والحديث وعلوم اخرى مثل الفلك والزراعة  والارصاد ولدية حصيلة من التجارب الطويلة والعلم الموروث اما   نحن فقد نكون اقرب الى النمل في جمع المعلومات  وتكديسها  وهو اقرب الى النحل في امتصاصها مثل  الرحيق  . احيانا اضبط نفسي متلبسا بهذا السؤال .. نحن يامعشر الاباء الجدد ! هل سنعطي ابنائنا الحرية لتحاور معنا كما يفعل الوالد ؟! نعم  املك الاجابه ولكن للاسف الشديد  ليست في صالحنا  جميعا    .  من الاشياء التي لم  ندركها ما هو  سر اهتمام الوالد بعبد الناصر ؟ بالتأكيد  ليس لشخصة فالوالد ليس ناصري  انه مجرد   عاشق للحرية والتحرر من العبودية  وذلك الرجل كان ينادي بهذا الشيء فالحرية بالنسبة للوالد امر في غاية الاهميه بل انها ضرورة انظر كيف يعامل العمال في المزرعة يصون حريتهم و يحافظ على كرامتهم ويرفع من شأنهم بل انة يقف في صفهم ضد اعز ابنائة يمنحهم كل ما يستطيع حتى ان الكثير من عمال المزارع الاخرى يترددون عليهم لينهلوا من طيب الرعاية وحسن المعاملة . يتألم الوالد من اوضاع الخادمات ولقد سمعتة اكثر من مرة يتسائل كيف تقوى هذه النسوة  على تحمل الغربة وتبعاتها ؟! لقد حطمت الغربة  الكثير من الرجال فما بالك بفتيات  تركن اعز  ما لديهن ورائهن   نعم انها عبرة … فهل من مدكر . اتذكرعندما كنا نبني البيت اذا اكمل عمال عمي صالح مرحلة ولوكانت بسيطة اقام لهم وليمة يحاول دائما ان يرفع من شأن أي شخص .حتى الحديث عن الاسر القبلية والغير قبلية ليست من المواضيع المفضلة عنده  اذا كنا نتكلم حول هذا الموضوع العم عبد الرحمن يتوقف عن الكلام لمجرد مجيء الوالد لانة يعرف انة لا يحب الخوض في هذة الامور ولة رأية الخاص في هذا الموضوع . احيانا عندما امشي معه  في الطرق الزراعية نواجهة بعض المارة فيحاولون السلام علية وتقبيل رأسة فيمتنع لا لشيء ولكن يحاول ان لا يقلل من شأنهم نعم ان الحرية احد الركائز القوية في شخصية الوالد وكما قال الفاروق رضي اللة عنة متى استعبدم الناس وقد ولدتهم امهاتهم احرارا .

الرجــــــــوع

الرجوع بالسيارة الى الخلف مشكلة يعاني منها الكثير من الناس وقد يكون الوالد احد هاؤلا ولعل المحقق( المختبر) قد اكتشف هذا الشيء عندما تقدم الوالد لاختبار الرخصة قبل ثلاثين عاما حيث طلب منة التوقف وفتح ملفة  واخرج القلم من جيبة وقال لة  لقد اخفقت.. فسألة الوالد لماذا ؟ فقال انت لا تحسن الرجوع للخلف فرد علية الوالد قائلا ولكني لم اتقدم لطلب الرخصة لاسيرالى ا لوراء فضحك المحقق وكتب بالقلم العريض  ناجح بعد ان اوشك ان  يكتب الاخرى . بعدها اصبح الوالد يقود سيارتة النيسان انيسة وهو مطمئن لا يخشى الا اللة و القواري لانها دائما تعترضه او بالاحرى تمازحة وتحتك به  عن غير قصد . لم يتعلق الوالد بأنيسة تعلقة بالتسعاوي ربما لاسباب خاصة . ذلك النوع من السيارات لا يحتاج الى مفتاح بأمكانك تشغيلها بأي شيء ولو بملعقة  !! في احد المرات خرج الوالد من سوق الخضار وركب السيارة ووجد فيها اطفال وقال ربما هذا احد الزملا يريدني ان انتظرة وترك اطفالة كأشارة لي  ولكن الانتظار طال ولم يأتي احد عندها قال سوف امشي والذي لة اطفال  يأتي ويأخذهم ولكن البنات الصغار اصيبوا بالهلع وصاروا يبكون ويقولون باقنا…باقنا  أي سرقنا سرقنا

الجلال العنـــــــابي

التاسعة صباحا  واليوم احد ايام الاسبوع الاعتيادية ، والوالدة قد لبست الجلال العنابي المنقط  وجلست  واتخذت لها موقعا استراتيجيا يمكنها منة الاطلاع عن كثب على جميع ما يدور في الصالة والتلفون عن يمينها وتستمع لاذاعة القران الكريم و تسبح وتهلل معها ، والنور ينبعث من وجها المشرق  وكأنها الشمس وضحها  ، وخمسيا تجوب ارجاء المنزل مبتسمة ومرفوعة الرأس  وكأنها احد الجواري في قصر هارون الرشيد ،  وتمر امي فاطمة عابرتا وتلتفت الينا نصف التفاتة وكأنها تمشي على السجاد الاحمر لتستعرض حرس الشرف ،  ثم تغلق جهيتي باب المطبخ وهي اشارة الى ان وقت  طحن القهوة او عصر العصير  قد اصبح وشيكا  ، فيدخل الوالد  ويحيينا جميعا ويجلس و التفت الية واسألة عن حالة فيرد على الفور لا تسأل عني! اذا كانت هذة المرأة بخير فأنا اوتوماتكيا بخير .. ربما الوالد يعرف  المثل الذي يقول .. إذا أردت أن يرضى عنك أولادك إجعلهم يشعرون بحبك لأمهم … ! والوالدة تبتسم وتلتفت اليه  وتقول لقد شبعنا من هذا الكلام  ، ثم اسأل الوالدة عن حالها فيرد هو ويقول .. لا تسأل عنها .. انها صحيحة جحيحة … لا اعرف ما اصل هذة الكلمات وكل ما اعرفة انها احد المصطلحات الخاصة بالوالد ، في احد المرات حضر الوالد  احدية الدكتور راشد المبارك وكانوا يناقشون الشعر الحر فقال ان هذا ليس شعر وانما هو عبارة عن شماطيط فضحك الجميع وقالوا سوف ندون هذا  المصطلح العجيب  ، وفجأة نسمع صوت  خطوات بثينة وهي تهبط من السلم وتحيينا وتسأل ماذا تريدون ياجماعه ؟ فيقول الوالد نتمنى أي شيء من يديكي الكريمتان ، ثم تقتحم بثينة المطبخ لتظبط ايقاع العمل هناك ،  وتتحول الاصوات المزعجة الى ماكولات ومشروبات منعشة ،  وما هي الا لحظات وتعود الينا بصينيه  محملة بما لذ وطاب ، وفي هذا الاثناء نسمع اهتزاز خفيف لباب الخشب الخارجي و خطوات لاحذية  لها صوت يشبه الصوت الذي يصدر عن إحتكاك ، ثم يطل علينا ويقول السلام عليكم يارجال ويخلع غترتة ويصففها بطريقة فنية ، ثم يتجة نحو المكيف  ليضبط توجية الهواء ويتحسس البرودة ويسأل وملامحة تبدوا غير راضية عن مستوى التبريد ويقول  متى فتحتم هذا  المكيف ؟منذ فترة  اصابة  ابوسعد  حمى المكيفات ولازالت تعاودة بين الحين والاخر ! بعدها تبدأ  بثينة في تقديم الخدمات وامي تعطيها التوجيهات  عن بعد عن طريق ارسال النظرات لتفهم بثينة ما هو المطلوب نعم صدق من قال الحر تكفية الاشارة وبثينة هي سيدة الاحرار بكل جدارة ، ثم تأخذ بثينة نفس طويل وتهز رأسها وتغمض عينيها  وهي تنظر الى ابي وامي وتدعو لهم بطول العمر ، وتلتفت الينا وتقول مارأيكم في هاؤلأ القمرين ؟ بعدها يتفرق اعضاء النادي ! ليلتقوا في اليوم التالي .

محكمة …..

قد يكون اللاسلكي هو مهنة الوالد الاولى بعد الفلاحة فلقد درسه وتعلمة في وقت كان فية البعض من الناس يعتبرة لونا من الوان السحر الحديث وتنقل في صحراء الربع الخالي مع بن جلوي من الاحساء حتى واحة البريمي على الحدود السعودية العمانبة والوالد ميال بطبعه الى العلم والمعرفه حتى انة كان يستخدم مهارات اللاسلكي اثناء لعب البالوت حيث كان يتبادل اشارات المورس مع موسى الحملي وذلك بالطرق على بيالة الشاي لبكشف كل واحد منهم عن اوراقه للاخر وبدون علم الاخرين فالمرح عند الوالد ليست لة حدود حتى في اصعب  واعقد القضايا وخير مثال لذلك قضيتة مع جيرانة في المزرعة فالوكيل اصبح اسمه الوكيح ! تحقيرا له وأن نهايتة سوف تكون مشابه لنهاية الحمار الحساوي الذي انتهى بمجرد انتهاء مهمتة الاقتصادية واحيانا يسمية المفاوض الدولي وأنة يرسل تقاريرة اليومية على كربة عن طريق الفاكس الى محكمة العدل الدولية ، ويهدد خصومة ويتوعدهم بالويل والثبور وعظائم الامور وأنة لايزال لم يستخدم ما في جعبتة من اسلحة دمار شامل وأنة اذا اضطر سوف يستخدمها بكل ضراوة وبين الحين والاخر يذكرهم  بعجارب الصناديج  أي الصكوك الشرعية ، تستوقفني دائما احداث هذة القضية وتزيح الستار عن جوانب عديدة لم اكن اعرفها في شخصية الوالد فلا يوجد غرابة في أن يقف اصدقاء الوالد معة وخصوصا الاغنياء منهم فهذا اقل ما يمكن أن يقدموة لة ولكن المدهش حقا هؤلأ الفقراء والبسطاء الذين كانو متطوعين ومتحمسين لمساندتة على الرغم من أن خصوم الوالد حاولوا استمالتهم بالمال ولكن دون جدوى فحفنة من الريلات بالنسبة لهم لاتستحق مجرد التفكير في الاسائة الى انسان عرفوه تمام المعرفه منذ عشرات السنين انسان لايصطنع النبل بل ان النبل من طبيعتة وسجاياة نعم في هذة المواقف يحصد الانسان ما قد زرع الرشوة والاكاذيب لم تصمد امام الحق المدعوم بنفر قليل من الفقراء لايعرفون شىء وماهم بشىء ولكن قلوبهم عامرة بالايمان وبكل حنكة وبراعه استطاع الوالد ان يقارع الحجة بالحجة وأن يدحض اقوال خصومة وكذلك ابطل اقوال جميع الشهود وكشف التناقض في اقوالهم وعلى رأسهم الابرق الذي والده حسين بصق في الابريق ! لقد اكتشف الوالد وفي الحال وأمام القاضي بأن شهادتة تتعارض مع شهادة لة ادلى بهــا للمحكمة قبل عدة سنوات ، اما شهود الوالد فجميعهــم من الطيبين البسطاء  مع العلم ان الوالد كان لايخفي قلقة من أن يتوفى ابو سبيت قبل ان يدلي بشهادتة ونحن لانتمالك انفسنا من الضحك مع العلم انني اشاطر الوالد الشعور نفسة لأن حالتة الصحية هي اقرب الى القبر من أي شيء اخر فلم يكن يأتي الى المحكمة بلى كان يحمل اليها واحيانا كانت المحكمة تذهب الية وتنفس الوالد الصعداء بعد ان اكتملت اقوال الشهود

الحفيــــّـــرة

الحفيُرة شمال السريع وابو ميركه في اواخر شهر مارس من عام 99م كان ابو الحارث هناك وقد اختار احد الطعوس مستقرا له خيمتان و سليمان و رحيم و كثير من الضان وقليل من الماعز و الوايت لصيق بهم باالاضافة الى بعض الاكسسوارات ، كفرات شطرت نصفين تستخدم معالف و الصحون ذات الكراسي علقت على الوايت وكأنها اجهزت تنصت تلتقط الاشارات عبر الاقمار الصناعية و شباك متحركة تستخدم لعزل الاغنام الصغار عن الكبار و الرضع عن غيرهم نعم هناك امكنه تذكر بأشخاص و هناك اشخاص تذكر بأمكنه و كذلك ابو الحارث و البر ولكن الصوره  لم تكتمل بعد ولن تكتمل الا بحضور شخصيتين الاولى منظر و باحث وخبير في شؤن الاغنام والمعدات الثقيلة و الثاني اقرب الى القائد العسكري المتخصص في شؤن الازمات و الانتقال من مكان الى اخر علي و عبدالوهاب على التوالي ، غابة الشمس و ارخى الليل سدوله و تجمعنا حول النار لغرض التسلية لا الدفىء نأكل التمر ثم نحتسي القهوه و نشرب حليب الماعز و الحديث لا ينقطع و لا يتسع لاي موضوع اخر سوى الاغنام تأكيدا لبيت عنترة العبسي

هل غادر الشعراء من متردم       ام هل عرفت الدار بعد توهم

حديث مستمر في اطار شديد من التكرار حول موضوع ثابتماذا اكلت و ماذا شربت تساؤلات كثيرة و مثيرة ابو الحارث يتسائل بقلق وعبدالوهاب بحذر و علي بتفائل مفرط و فجأة نهض الجميع وشعرت ان النية مبيتة لعمل شيء ما طبعا له علاقة وطيدة با لأغنام سليمان بيده كشاف يبدوا انه مهندس الاضائه و عبدالوهاب يمسك بآله اعتقد انها صنعت في الايام الاولى من القرون الوسطى وهي عبارة عن سلك من الحديد الحاد تستخدم في قص قرون الاغنام المسكينة دخلنا الى الاستديو ( الشبك ) و امسكنا با الخروف المسكين ونفذ عبدالوهاب العملية بدقة متناهية و خرج قليل من الدم من قرون الخروف ولكن الجماعة اعتبروه امر عادي وان العملية تعتبر ناجحة بجميع المقاييس و الشخص الوحيد الذي لا يشاركنا الراي هو الخروف نفسه ، وعلى أي حال مرت العملية بسلام و بدون علم المنظمة العالمية بحقوق الحيوان والتي ليس لها وجود في هذا المكان من العالم ، ثم عدنا الى النار و استأنفنا نفس الحديث اما ابو الحارث فقد انفرد بمفرده و ذهب ليتفقد الاغنام والتي تجمعت في منطقة منخفضة ومنبسطة بالقرب منا وبها القليل من الاشجار الصغيرة والتي يمكن رؤيتها بالعين المجرده ، ابو الحارث يريد ان يتأكد من ان الاغنام قد اختارت مكانا مناسبا للمبيت ولاربما كان هناك شيء ما يجول في خاطره ، ونحن حول النار و عبدالوهاب كالعادة يتولى ادارة الجلسة وبين الحين والاخر يحاول علي التدخل في شؤنه بتحريك النار واثارة الدخان او بتغيير اي شي وضعه عبدالوهاب وعبدالوهاب ملتزم الصمت و مقطب الحواجب ولكن هذا لا يمنعه من الاستمرار في اداء دوره بطريقة فيها الكثير من الدقة والقليل من الاخطاء فحركاته في تناول الدلال و الفناجيل فيها تلقائية عجيبة حركات رصينه ومتزنه و غير مستعجله ابدا و لا متردده ، وفي تلك الاثناء سمعنا صوت شاه تتألم و تتضرم و تطلق الصيحة تلو الاخرى و كأنها تطلب النجدة من شدة الآم المخاض وابو الحارث بالقرب منها ومن خلال الظلام لا اكاد ارى سوى سيجارته تضيء جمرتها وتنخفض بقدر ما تتألم الشاة و اتجهنا جميعا الى بو الحارث بخطى بطيئة لكي لا تنفر الاغنام وهي في المبيت ، ابوالحارث قد شمر عن ساعديه ولف غترته حول راسه ونحن من حوله و كل ما قترب من الشاه اقتربنا بعدها قرر المجلس الاعلى للاغنام بأنها من الناحية الاكلينيكية تعتبر حالة ولادة متعسرة تتطلب التدخل السريع ثم امسك ابوالحارث برأسها و عبدالوهاب يحاول اخراج الجنين اما علي فقد تربع و امسك بأرجل الشاة الامامية وهو يقول انشاء الله فيها اثنين ثم عشنا ثواني معدودة من الصمت والترقب و فجأة قال عبدالوهاب انه ميت و كأن ثعبانا لسع ابوالحارث بعدها لم استطع متابعة ماذا حدث لان الامر مر بسرعة البرق و اندفع ابوالحارث واخذ مكان عبدالوهاب و بحركة خفيفة و سريعة اخرج الجنين الحي وهو يردد مقولة عبدالوهاب معاتبا  قال ميت.. قال  رددها عدة مرات ثم حمل الجنين بين ذراعيه وتبعته امه الى المكان المخصص للمواليد لقد كانت ليلة حافلة بالاحداث ابطالها مهندس مياه جيلوجي خريج جامعة توسان الامريكيه  و ضابط بحري و دبلوماسي وجامعي درس المحاسبة يقفون على اعتاب القرن الواحد و العشرين عصر الاستنساخ و الانترنت و الفياجرا تجمعوا جميعا و ستخدموا كافة امكاناتهم العلمية و العقلية و قاموا بتوليد شاه و قص قرن خروف بعدها ركبنا السيارة و اتجهنا الى البيت و في الطريق مناقشات و اراىء حول ما جرى اليوم فالاغنام كأنها خلقت لنا و نحن خلقنا لها و في اليوم التالي عادة احدث الوالد بماذا جرى ليلة البارحة و هو يسمعني بمتعاض و علامات عدم الرضى لا تحتاج منك ذكاء لاكتشافها فالوالد يرى ان الاخوان يمارسون اعمال اقل بكثير من مستواهم العقلي و العلمي فهو يرى ان ابوالحارث بدلا من ان يكون وكيل وزارة تحول الى راعي غنم اما عبدالوهاب فالوالد يرى بان له دور اجتماعي كبير يضعه في مقدمة رجالات الاحساء و على أي حال فكلاهما با النسبة للوالد مثل الطيار الذي يملك طائرة ويصر على ان يتنقل بدراجة هوائية  لناس فيما يعشقون مذاهب

أبوطــــــــــارق

الحادبة عشر صباحا من يوم عادي جدا والوالد يخطو بخطوات ثابتة ومتأنية با تجاه مجلس ابو طارق بعد أن اوقف التسعاوي في الظل وهذا امر لايحتمل التأخير وبيدة المفاتيح وملعقة الجزم تبدو واضحة بينها وقد نسف احد اطراف الغترة ودخل عليهم وكأنه عالم يقوم بزيارة روتينية لأحد مختبراتة يبدأ السلام على المستخدمين الجالسين في المدخل ويخص كل واحد منهم بتحية فيها درجة كبيرة من التقدير والتماثل نفس التحية لسعودي والهندي والسني والشيعي وفي هذة الاثناء نسمع من في المجلس البعض منهم يهمهم ويقول جاء ابوعوف او ابو عبداللة والبعض الاخر يرحب او يطلق عبارات خاصة بينة وبين الوالد ولكن يبقى صوت العم محمد بن عبدالوهاب مرتفعا ومدويا ..

يا هلا.. ياهلا..ياهلا.. وهي عبارة عن ترحيب ودعوة للوالد للجلوس بجانبة  وابوطارق جالسا ورافعا رأسة للاعلى وقد وضع رجلا على رجل واستلقى في جلوسه الى الوراء ثم يلتفت نصف التفاتة الى الوالد ويقول كيف الحال يا بو عبدالله وكأن الكلمات تخرج من انفه ويرد الوالد عليه بخير الله يسلمك اشلونك اليوم ويرد بخير الله يعافيك ، وفي هذا المجلس اوالمسرح ان صح التعبير يستقبل الامير والوزير والشيخ الوقور واحيانا تجد احد الظرفاء يرقص والجميع يصفق ويهتف الادوار موزعة والسناريو مفهوم لدى الجميع الموسيقى التصويرية معدة سلفا ، وعلى الرغم من أن المرح والهزل يستحوذ على معظم الوقت الا أن ابوطارق استطاع ان يجعل لنفسه ولهذا المجلس مكانة مرموقة على مستوى الاحساء بل وخارجها وهو شخص معروف ومقبول وكريم يحضى بصيت واسع لدى الحكام والمسؤلين والشيوخ  وغيرهم ، جسمه وصوته ولبسه وحركاته جميعها توحي بالوجاهه والصدارة نعم انه ملك  الاحساء الغير متوج  ، مع العلم أن البعض من الناس يعتقد بأن ابوطارق مثل النار فيها دفيء ولكن اذا اقتربت منها اكثر احرقتك !! وفي الاونه الاخيرة اصبح فريسة لمرض عضال نسأل الله له العافية ولكن يبقى ابوطارق شخصية اجتماعيه لن تتكررفي المنظور القريب .

حكمة المحكمة ….

التاسع من رجب من عام  1420هـ  عندما اصدر ابن عتيق قاضي محكمة المبرز الحكم النهائي  في قضية المزرعة لصالح الوالد ، هذا اليوم وبكل تأكيد  احد الايام التاريخية في حياة الوالد وفي حياتنا جميعا اتصلت بي الوالدة وابلغتني على الفور وانا في بريطانيا وقالت من شدة الفرحه بأنه صك طوله مترين ،عندها طلبت الوالد لأبارك له الحكم وشكرني وهومسرور واراد أن ينهي المكالمة لكي يذهب الى الصلاة فقلت له ممازحا ما الداعي الى ذلك طالما ان الحكم قد صدر فقال والله لا اعلم ولكن امك تقول لازم !… ، اثنا عشر عاما مرت على هذة القضية والوالد يعيش في سجال بين ضرب بالصكوك وطعن بالشهود ورمي  بالحجج والبراهين ، لقد اثبت الوالد لخصومه بأنه مثل الدهناء قريبة الثرى بعيدة الماء ،انتصار ابلج ليس له مشابه الا انتصار القائد المظفر قطز في معركة عين جالوت وجاء الحق وزهق الباطل ان الباطل كان زهوقا ، بعد صدور الحكم طلب خصوم الوالد منه ان يحلف با لله ولكنه لم يعر هذا الطلب أي اهتمام لأن المنازلة بالنسية للوالد قد انتهت وحسم امرها  والحي لا ينازل الميت   .

المـــــــــوس

كان عمري ست سنوات عندما ركبت مع الوالد  سيارة رجل مع طلوع الفجر من احد ايام الخريف  متجهين الى بيت خالي في  الحزم ، لم اكن اعلم لماذا والى اين نحن قاصدين لان ركوب السيارة بحد ذاته  بالنسبة لي هو الاهم من أي شيء اخر ، وفي هذة الاثناء وضع الوالد يده على المنطقة التي سوف يمر الموس من  حولها.. ! وقال متى تريد أن نسوي امر هذة ؟ عندها شعرت بأن هناك امر مدبر بالخفاء وأن الوالد هو المسؤل الاول والاخير عما يجري ، واتهمته في اعماق نفسي بأنه دبر هذة المؤمرة ضدي ، يالاهي اين المفر ؟ ورميت بنفسي  يأسا في احضان القدر المحتوم ، واخذت استرجع واتذكر ما كان يدور خلال الايام القليلة الماضية حيث استطاعة اذني ان تخطف بعض العبارات مثل لابد  من اجراء … لانه سوف يدخل المدرسه السنه القادمة ولا ادري ما هي العلاقة بين المدرسة وهذا الشيء ؟ وعلى أي حال وصلت السيارة الى المكان المعد وكانت الابواب جميعها مفتوحة على مصراعيها وامسك الوالد بيدي ووقفنا با نتظار شخص ما ولم يطل الانتظار وجاء ذلك الرجل واذا بي قد رأيته من قبل، انه الحلاق الذي يأتي كل يوم جمعه ليحلق لخالي ، اذا فالموس هو العامل المشترك بين تلك المهنتين ، انه رجل اسمر مربوع عيناه بهما ارتخاء ورطوبة اكثر من اللازم وملامحه صارمة توحي اليك بأن ليس هنالك  علاقة بينها وبين ما تفعله بقية اجزاء جسمة، ويوجد بداخل فمه اسنان متفرقة من السهل معرفة عددها، وبيده سيجارة لف وباليد الاخرى شنطة ، وعقاله ضعيف وقد نزل حتى اذنيه  يا الاهي من اين جاؤا بهذا المخلوق ؟ ثم اخذ بيدي الى التهويه واسندني الجدار وفجأه هبط سروالي  ووجدت نفسي جالسا على الارض بطريقة مخجله للغايه ، ثم جاؤا بصالح الكثير ووضعوه بجانبي ليكون الضحية الاخرى وماهي الا لحظات وسالت دماؤنا وتعالا صراخنا

التحــــــالف

يوجد لدى الوالد نسيج من التحالفات الاجتماعيه المتداخله ولربما تحالفه الاستراتيجي  مع العم محمد من اشهرها وأقواها , لأن الهدف من هذا الحلف هو مواجهة حلف أخر هو ابوطارق اوالناتو والسبب الرئيسي للخلاف على ما يبدو لي هو أن ابوطارق يريد منهما أن يقضيا وقتا اطول معـه  لقد قال ابو طارق في أحد المناسبات بأنني أحب الارض التي يمشون عليها  وهما يتمردان عليه بأستخدام مناورات وتكتيكات تم الاعداد والتخطيط لها مسبقا !  فالعم محمد يستخدم اسلوب المواجهه السلبية بحيث يجلس في زاوية المجلس ويتظاهر بقرائة الجريدة والوالد يحاول تخفيف حدة التوتر بتوجيه كلمات منمقة لأبوطارق قي الغالب لا يكون لها أي تأثير يذكرفي تخفيف حدة التوتر بل احيانا يكون لها نتائح عكسية لأن ابو طارق يعتبر الوالد شريك في المؤامرة .

الصحــــــــين

بالامس انتصر الوالد على طرفة واليوم على بثينة في قضية تأتي في المرتبة الثانية من حيث الاهمية بعد المزرعة الا وهي الدش او الصحين كما يسميه . التظاهر بالزعل وبعدم الرغبة في الجلوس في البيت! وباطلاق عبارات مثل نحن لا ندري ما يدورحولنا في العالم ؟ نحن في سجن ! وبدعم خفي خلف الكواليس من قبل  الوالدة تهاوت حصون يثينة المنيعة وفضلت الانسحاب الاختياري على الانسحاب الاجباري فهي تعرف الخطوط الحمراء ولاترغب في تجاوزها وبالتالي رضي الوالد عن الصحابة بثينة وامال  وتحول الهجاء الى مديح ، كان بأمكان الوالد أن يأتي بالدش بدون رضى بثينة الا أن هذا الامر يتنافا مع شخصيتة فكما يقال … خيط الرضى اقوى من طوق الحديد .

مولانا أبو الكلام أزاد

لقد تأثر الوالد كثيرا لمرض ابومنذر فهوقريب وصديق الطفولة ورفيق الدرب والجليس الذي لايمل حديثة ، والاحساء ليس لها رونق ولا طعم بدونه . او كما يحلو له أن يسميه …. مولانا ابوالكلام ازاد . يعجب الوالد من قدرتة على جمع وتصفيف الكلام انه حقا استاذ الحكي أو  مهندس الكلام . حدثني ابومنذر يوما من الايام عندما كان يزور لندن ، بأنه ذهب مع ابوطارق على رأس وفد من اهالي الاحساء لسلام على الملك وتهنئة بانتهاء حرب الخليج ،  فطلبوا منه أن يوجه للملك كلمة نيابتا عنهم فمد يده مصافحا خادم الحرمين  وعرف نفسه قائلا … محمد العفالق .. انقل لك سلام وتحيات اهالي الاحساء الذين يباركون لك هذا النصر الكبير وهذا القرار الحكيم الذي ليس له مشابه الا قرار ابوبكر الصديق في حرب الرده ! فما كان من الملك الا ان شدو جذب  يديه اليه  ولسان حاله يقول اذا كان هناك المزيد من هذا فهات ، كلام عذب جميل صحيح ان الكلام يتبارك في لسانه ،

صلاه في الدورشستر..

زارني الوالد مع ام محمد في بريطانيا في شهر مايو من عام 2002مـ زيارة قصيرة وبديعه لم تتجاوز خمسة ايام ،  لقد كانت ممتعة  ورائعة ملأت صدري سرورا وحبورا ، ومن الطرائف التي حدثت  كنت ذات يوم اصلي معه جماعه في إحدى غرف فندق الدورشستر ،  فقالت ام محمد لام عزام وهي تحاورها ، هل يجوز أن نأخذ قلم الفندق ؟ فرد عليهن الوالد وهو في أثناء الصلاة  قائلا  نعم! لأنه أصلا داخل في السعر ،  مع العلم أنه كان الامام ! طبعا الم نستطع اكمال الصلاة ولم نستطع أن نتماسك وانهمر علينا ضحك كما ينهمر المطر من السماء . بعدها ذهبنا الى قصر باكينجهام حيث تسكن الملكة ،  وشاهدنا تبديل الحرس والذي لم يثير إعجاب الوالد كثيرا ، والتقط الوالد الكثير من الصور وهو لا يعلم في ذلك الوقت بأن الكيميرا قد أحرقت جميع الصور ، ثم تخيلنا أن الملكة أزاحت ستارة إحدى نوافذ القصر وأطلت من خلالها ووقعت عينها على الوالد ، ثم أغلقت الستارة بسرعة شوقا وخجلا ،  وأسندت ظهرها الى الجدار وأخذت نفس طويل وهي تتنهت وقالت .. شبدي شبده على طريقة وداد .

مع الطبيبة

لم أكن أعرف مدى  جرأت الوالد مع النساء إلا عندما زرنا الطبيبة التي تعالج حبيبة ، فعندما فرغت من علاجها جاء دور الوالد ،والذي كان قد  أخذ غفوة وهو جالس على الكرسي ، عندها إستيقض فجأة يبحث عن غترتة ويعتقد بأنها سقطت خلف الكرسي ،فعندما سألناه ما ذا جرى؟وعن ما ذا تبحث ؟ ضحك وقال لقد كنت أبحث عن غترتي مع العلم أنه كان لابس بدلة ! أطلعت الطبيبه على نتائج الفحوصات ، وأبدت إعجابها بصحتة ، وسألته ماذا تفعل ؟ فقال بأني أمارس رياضة المشي بشكل منتظم منذ أعوام طويلة ، ثم إلتفت الي وبطريقة فجائية .. وقال إسألها ، ما هو السبيل لتقوية شغل الليل! فاحمر وجهها خجلا ، ، وحاولت أن تتظاهر بأنها لم تفهم ، أما الوالد فلم يكترث بل بالعكس تصلب وألح في ألسوال  ، جعلها في نهاية المطاف تتبسم وتستسلم للأمرالواقع بدون أن ترد بأي كلمة ،أما أنا فقد فاجأتني جرأة الوالد مع الجنس الناعم ، لدرجة أني رثيت لحال هذه الطبيبة المسكينة   

موسم المواسم

ينفتح الباب ويردع بالمسند الاخضر ويوضع السرير في أخر الغرفة و تتحول غرفةالطعام الى معمل لتنقية التمور ، تجلس امي على كرسي تراقب و تشجع وتعطي التوجيهات وأحيانا تستلقي على السرير وهي متكئة برأسها على يدها اليمنى،  وهناك كل من .. أمي عائشة ومريم ، عائشة الربيعة و شريفة السويعي  يجلسن على الارض حول طاولة خشبية مرتفعة قليلا عن الارض ينثر عليها التمر ، يتجاذبن الاحاديث ويمارسن هواية فرز  التمور ، أحيانا شريفة السويعي  تطلق بعض النكات والتي في أغلب الاحيان تتجاوز حدود اللياقة الادبية عندها تتدخل أمي لتوقف سيل هذة الكلمات المضحكة والمتطايرة ، امي فاطمة لا تشارك في الفرز مشاركة فعليةوإنما تتولى الامور المتعلقة  بالشاي والقهوة والترحيب بالقادمين محاولتا تقمص شخصية الوالدة كلما استطاعت الى ذلك سبيلا ، ولديها بعض الكلمات التعقيبيه الجاهزة والتي هي في الغالب تصلح لأي موضوع تستخدمها لغرض المشاركة بدون أن تكلف نفسها عناء التفكير ،  في تلك الايام كانت تستعد لزواج إحدى حفيداتها وعندما سألوها قالت نعم إنني جاهزة لم يبقى علي سوى … تدهن الرجول … !  ، أمي عائشة تعمل بإخلاص وأمي مريم السرعة والانجاز أما عائشة الربيعة فهي لا هذه ولا تلك . وفي أحد الايام شاهدت عائشة الربيعة وقد جلست على ذلك الحصير البلاستيكي الاخضر ، وفجأتا أحذت تزحف وهي في وضع الجلوس ، تستنجد وتستغيث بصوت خفي ومبحوح ،  يالا الهول ما ذا جرى لها … لقد قرصها قروص .. وما ادراك ما القروص ، عندها أرسلت أمي رسالة إستغاثه عبر الاثير مدويتا في ارجاء الصاله    وعلى الفور نودي بخمسية لتأخذها الى مكان أخر لتنفضها وتخلصها من ذلك القروص المارد،  ولا ندري  أيهما إعتدى على الاخر القروص أم هي ، فلم يعثرعلى القروص ولكن على الاقل لم يعد يختبئ في مكان ما في جسدها وعادت أدراجها الى الحلقة لنواصل  المسيرة تحت ترحيب وتعاطف لجميع وأمي فاطمة  تتحسب وتدعو على ذلك القروص وهي تضحك  لترفع من معنوياتها وإن كانت تخلط ذلك بقليل من والسخرية البريئة  .

وبين الحين والاخر تهبط عليهن بثينة وتجلس القرفصاء على الطاولة في مكان محوري ، ترحب بهن وتشاركهن في الحديث ، وتلتفت اليهن أحيانا مبديتا رأيا ما في التمر ، فلديها نظرة فاحصة و ثاقبة وهي لا تجامل في هذا الامر ، وعند الظهيرة تطوف عليهن حبيبة لتشارك فعليا وذهنيا بالرأي والمشورة ، أما الوالد فيمر عليهن مرور الكرام ومن بعيد يقوم بتوجيه بعض العبارات الفضفاضة  الى شريفة السويعي ليجعلها تشعر بأنها بالفعل استاذة التمر وهو الوصف الذي يروق لها أن تسمعه.

عبود وصلوح

(شركة المعدن) … بوسف العبد الرزاق كما يحلو للوالد أن يسميه .. وهو اسم شركة الري والصرف طبقا لقاموس يوسف العبدالرزاق رحمه الله ذلك الرجل  ذو السحنة السوداء ، طويل يميل الى النحافه يمشي ويسحب قدمه بحيث تترك اثرا في الارض يشبه علامة الاستفهام يقال أنه سقط من نخله ذات يوم على اثرها اصبح لديه التواء في رجله اليمنى بعدها لم يعاود صعود النخيل قط ، نادرا ما يخلع طاقيته حتى اصبح لون مكانها فاتحا ويختلف عن بقية جسمه  لا اتذكر كم بقي من اسنانه ولكني اتذكر جيدا لون لثته الوردية اللون وكان دائما يردد عباره … علهواك يا عبود … علهواك يا صلوح  لم استطيع فك رموز هذه الشفره الى يومنا هذا ، كنا نركب معه انا وعبدالله  على حمارته الملكيه من بيتنا الى المزرعه كنت اركب في الامام وعبدالله في الخلف ، تلك الحماره المتنافرة الاطراف فمؤخرتها متورمه وعرفها متين ومائل ومع ذلك يخشى يوسف عليها من العين ! أي عين تصيبها ؟ فهذه الحماره لو رأها جني لفر منها هاربا ، نسير نحن الثلاثه او االاربعه ! من بيت الوالد قاصدين المزرعه وعندما نصبح على مقربه من سكة العويشير حيث يتجمع المكاريه حيث يجلس بعض من رجال الحي على قارعة الطريق تأتي الاوامر من صاحب الحماره الى عبدالله  .. عبود .. عبود حول حول … لا ينظلونها .. وعندما نتجاوز تلك النقطه الحرجه او مثلث برمودا  يعود عبود ويركب ونواصل المسير، اما أنا فكنت اتحين الفرصه لأخطف العصى من يده ثم يمهلني قليلا و يستعيدها ثم أخطفها ويستعيدها مره أخرى ونستمر على هذا المنوال حتى نصل الى المزرعه انها طريقه ممله ولكن ما ذا عسانا أن نفعل فالوقت طويل ولا يوجد أي مبرر لاستغلال الوقت أنا ذاك.

كبرنا قليلا ولم يكبر يوسف في أعيننا وأصبحنا لا نحتاج اليه ولا الى حمارته المصون فصرنا نذهب مشيا وأحيانا نستأجر قاري اذاكنا مجموعه أو إذا كنا نريد أن نقوم بعمل رحله ، أما يوسف فلم يكن يرحب دائما بقدومنا الى المزرعه او بالاحرى كان متقلب المزاج ولم نكن نعبه بذلك لأن الوالد كان يردد دائما بأ نه اشترى المزرعه لنا من أجل أن نلهو ونلعب فيها الامر الذي منحنا الثقه امامه على الرغم من أنه كانا يشكونا احيانا عند الوالد بأننا نعسج الزرع ونعفس المدود ونحذف القواطي في كل مكان  على إثرها سماه الوالد القواطي كما أنه لم يرى تجاوبا لشكاويه المتكررة فالوالد يسمع منه ما يريد فقط اما بقية الكلام فيذهب ادراج الرياح.

لا يخلو يوسف من بعض الظرف ربما الظرف الغير مقصود فافي أحد الايام جئنا الى المزرعه وكان معنا أحمد بن عبدالرحمن وعلى غير العاده احتفا بنا وسأل احمد إن كان يريد ابدجينه وإلا رمامينه فشكره أحمد وبعدها بقليل اعطاه ورقه (بروه) وطلب منه أن يوقعها من عند والده الذي كان عمدتا في ذلك الوقت عرفنا عندها أن يوسف كان يريد تسليك الامور ولكن بطريقته  الخاصة .

أما عمه والد زوجته عبدالرحمن العبدالرزاق رحمهما الله جميعا فكان رجلا رزينا وفلاح من طراز أخر وكان وقورا وله هيبه ولا يتكلم إلا عند اللزوم ، وكان يوسف يجله ويحترمه كثيرا .

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *