من وحي الرعاة ..

تحيا بِكم كلُ ارضٍ تنزلون بها … كأنكم في بقاع الارض امطارُ

الغوّار .. بلا ضجيج ..

لم تعد تلك الواحة الخضراء النائمة على حافة الغوار تحرك ساكناً فيه ! فهو مهندس مياه تخرج من أمريكا وعاد إليها فوجد أن عيونها التي كانت تنضح وتدفع بالانهار لآلاف السنين قد غارت ! فقايض البر عوضا عن البلد، والحلال عمّن سواه. يرى أن البر أنظف وأمتع، فعلى الأقل إذا هطلت الأمطار ازداد البر جمالاً ، بينما هي تزداد شوارعها قبحاً بسبب تهالك بنيتها التحتية! فرح جده لأمه فأهداه ماعز عندما خطا خطواته الأولى واستطاع أن يصل إلى بيته بمفرده ، فكانت هي الشرارة الأولى التي أشعلت في وجدانه حب الأغنام. هواية الأغنام من جهة والتخصص العلمي من جهة أخرى، وجهان بداخله يعتركان ولا يمتزجان، البساطة والتعقيد تقلبهما الحياة بنسب معينة، أيهما يبرز وأيهما يختفي؟ هو مثال حقيقي للأخ الأكبر الذي يعطي ولا يأخذ.
يركب سيارة الجيب وبجانبه اخيه عبدالوهاب يسابقان سويعات الأصيل باتجاه مكان الحلال أينما كان ، لقد تركا لهم بصمات في أماكن عديدة، ونصبا رايات للكرم والأنس في كل قاع نزلوا فيه. يكونان على موعد مع الحلال قبل أن تتخلص الشمس من لهيبها وتهبط في بئر الكون، تجد المكان يضج بثغاء  الأغنام ، والرعاة يصولون ويجلون في كل إتجاه، هذا يعلّف وذاك يروّي والآخر يرضّع . بينما على الجانب الآخر يقف الوايت الأزرق متظاهرا بالصمود والتحدي، حفر الزمن فيه ثلمات في الواجهة وصدوع في الجوانب ، مع ذلك بقى محافظاً على هيبته . على الجانب الآخر إكسسوارات موزعة بين الأغنام عبارة عن إطارات شطرت نصفين تستخدم كمعالف ، بينما صحون الأكل ذات الكراسي علقت على الوايت وكأنها أجهزة تنصت لاكتشاف الضيوف عن بُعد ! شباك متحركة تستخدم لعزل الأغنام الصغار عن الكبار و الرضّع عن المواليد، بينما على بضع أمتار تجد فلول القطيع قادماً للتو من المسراح و الأمهات يقفن على خط التماس من فلذات أكبادهن، يتقدمهن الحمار و المراييع يعبثون من حوله، ترى فحول الضأن بارزة من بين القطيع بأجسامها العالية وظهورها المتموجة، تنافح النعاج بهمة لا تعرف الكلل بحثاً عن شياه قد اظناها الشبق! هذا المشهد الجميل يبقى رائعاً مهما تكرر، يسميه عبدالوهاب لحظة “اللقاء” وهي كذلك إن لم تكن مهرجاناً بمعنى الكلمة، فيه تلتقي الأمهات بالصغار بعد غياب دام نهار كامل، تجد أعناق الأمهات مشرئبة وقد وجهن رؤوسهن نحو الصغار الذين بدءوا يتقافزون من على أطراف الشبك شوقاً وفرحاً بعودتهم. وعندما تحين ساعة الصفر تفتح الابواب وينقض الصغار باتجاه الأمهات ، فيضج المكان ويبدأ المهرجان وتختلط الأصوات ، وتبدأ عملية التعرف بين كل شاه وصغيرها ، في البداية عن طريق تبادل النداءات ، وما هي إلا لحظات وتأخذ تلك الأصوات في الانخفاض تدريجياً ، حينها يكون البعض من الصغار قد بدأوا في التعرف على أمهاتهم تسعفهم حاسة الشم التي تسبق النظر. دقائق معدودة فينجلي الغبار ثم تختفي جميع الأصوات ويعم السكون بعد أن استقر فم كل صغير في ضرع أمه. أما عبدالله فيكون الوقت بالنسبة له حرج ، فقرص الشمس لا ينتظر أحداً، لذا فليس هناك مجال لمضيعة الوقت، فتجده مشغولاً بتفقد الأغنام،يضم الحملان بين ذراعيه ويسوق المرضعات رويداً رويدا الى مكان الرضاعه، يشاركه عبدالوهاب وصديقهم الحميم علي،يتفحص ويعالج من يحتاج للعلاج بطريقة علمية، مستعيناً باستقاء المعلومات عن طريق الملاحظة، فهو مراقب موهوب لديه قدرات تحليلية. أحياناً تجد علبة مرمية على الأرض ثم تكتشف بأنها علبة دواء! يعالج الأغنام بشكل تلقائي وبدون أن ينقطع حديثه معك، أو إذا لزم الأمر أثناء تجواله بين الأغنام يغرس إبرة في جسد ماعز،فلديه أرشيف ذهني يحتوي على ملف طبي لكل واحدة من القطيع. العجيب في الأمر أن هؤلاء الرفاق يعرفون صلة القرابة التي تجمع بين كل واحدة من القطيع الذي يكاد عدده يلامس الألف، في أحد الأيام التفت إلي علي وهو يؤشر ويقول بأن هذه الشاة خالتها تلك! بل يعطون البعض منها اسماً خاصاً يتلائم مع شخصياتها، فهناك الشاة “النحيسة” التي لا تكف عن النطح، كذلك “المخبطة” التي تحرث الأرض أثناء المشي، وأيضا “العسكرية” بسبب مشيتها الاستعراضية وهناك ماعز أطلق عليها علي “عاصفة الصحراء” بسبب غرتها التي تهفف في الهواء..

أبشر بمعنى ما يسير إلا على سبعة بحور ..

اندست الشمس خلف الأفق بسلام، ثم توجه الجميع لأداء صلاة المغرب،يأمنا عبدالوهاب على الرغم من وجود عبدالله الأكبر سناً والذي لا يحرص على هذا الشيء، ولربما وقفت بعض آرائه التحررية حائلاً بينه وبين التبوء بالإمامة! أحياناً يصفه علي مداعباً “بالعلماني الطيب” نجلس حول النار متربعين ولهب الرمث الأزرق يتراقص أمامنا، مستمتعين برائحته الزكية وبحسيس اللهب الهادئ، وأمام بيت الشعر الأنيق والمنصوب بطريقة وكأنه ينادي ويرحب بالضيوف، نأكل التمر و نحتسي القهوة ثم نرشف من حليب الماعز. للجلسة حول النار نكهة خاصة، وطقوس الضيافة التي أسسها عبدالله وعبدالوهاب ترسخت بفعل السنين حتى أصبحت عبارة عن موروث له طابع ومعالم واضحة. يبدأ الحديث في حيّز متواتر عن ماذا أكلت الأغنام و ماذا شربت؟ تساؤلات كثيرة و مثيرة. عبدالله عرّاب الجلسة، يتكئ على جانبه الأيسر والسيجارة بيد والأخرى تعبث بالشارب و يتساءل بقلق وهو يحملق في الفراغ، بينما عبد الوهاب يستدرك بحذر ولا يعطي جواباً قاطعاً، ربما بسبب النضج المبكر، فإحدى قريباتنا من النساء قد قالت يوماً من الأيام بأنه لم يتمتع بطفولته! أي أنه عبر مرحلة الطفولة بعقل رجل. ودود وعميق في علاقاته على الرغم من اتساعها، كريم ومضياف فلم يفتح مجلسه قط إلا وضاق بالحاضرين . حريص على فهم اللغة ، دقيق فيما يعرفه في التاريخ والأنساب وعلم الفلك، عفيف عن الشهرة، فلم يدّعي يوماً بأنه شاعر مع أن الشعر فنه وصنعته، ذاكرته ثابتة قلما يسقط منها شيء، يخيل إليك أن الأبيات في ذهنه مؤرشفة يستدعيها حسب ما تقضيه المواقف والمواضيع، يغلفها بصوته العذب وإلقائه الرائع. عندما يبدأ عبدالوهاب في العزف على بحور الشعر يحتفل بنا المكان طربا، يصعد ويهبط بنا ويقلب الشعر والشعراء كيفما شاء، فكلما أوغلنا معه تتسع بنا جنبات الشعر وألوانه، وإن تعمقنا معه أكثر نفاجأ بأن البحر كله ما هو إلا بركة بالنسبة له. الاستماع إلى شاعر غالباً ما يكون مدعاة للملل، لأنه حبيس الجيد والقليل من قصائده ! بينما تكمن المتعة الحقيقية لدى من يهوى ويحفظ الشعر ويتقن فنونه كما هو الحال بالنسبة لعبدالوهاب. يرى أن الشاعر الذي لا يحفظ له الناس ولو بيتاً واحداً ليس بشاعر! ما يقوله عبدالوهاب عن الشعر لا تسمعه من غيره، فما أعذب القصائد وما أروعها على لسانه، من ذا الذي لا يطرب لسماع أبيات هادي بن سهل على لسانه :
باديٍ عند الضحى في طويل رجادها – شاقني أبو ميركة راس مشرافٍ طويل – بدع القيفان وأعني بنظم أجدادهــا – من هواجيسٍ تخالف ولا منها ذبيـــــــل – فوح صـــدري فوح دلةٍ بقنادهـــا – سج منها اللي ركاها على الجمر الصقيل.

علي والرجعة ..

أما علي ففي هيئته وقار وفي قلبه طيبة أصيلة، غالباً ما يتخذ من التفاؤل عصا يتوكأ عليها، تقوده نحو الاعتقاد بأننا على موعد وشيك مع الأمطار الغزيرة، وأن الغبار سوف يعقبه أمطار، وأن العالم بأسره من القطب الشمالي إلى الجنوبي سائر على ما يرام . مرح مولع بقصص الإسرائيليات و بأطايب الحياة ! يغمز لدنيا بعين وللآخرة بعين ولا يستقر على حال . يداعبنا أحياناً بتقمص شخصية المظلوم، مشبهاً نفسه مع اخوته بنبي الله يوسف طبعاً من حيث المعاناة لا الوسامة! مع ذلك فهو رجل كريم يكاد أن يكون مخروق اليد، فمنه اكتشفنا أن اللهجة العامية من الممكن أن تكون لغة علم وفن! كما أن هذا الرجل لديه علم معتبر بالأنساب وقدرة على الاستشهاد بالقرآن وذوق خاص في انتقاء وحفظ الأشعار الفريدة، وإن كان عبدالوهاب يشاكسه وينغص عليه في ذائقته الشعرية، منتقدا طريقته في الاستشهاد بالأبيات، بينما يرد علي بتعويذته المعتادة ” إنا لله..” يمدها بنبرة تنم عن نفاذ الصبر! وغالباً ما يتندر عليه عبدالوهاب ويتصيّد حركاته ويخترع لها مصطلحات مثل”الرجعة” وهي وصف لحالة علي عندما يطرح موضوعاً هاماً ويريد أن يلفت انتباه الحضور، تجده يحدّق بعينيه تجاههم ويزم شفتيه ويبتسم قليلاً مع رجوع خفيف إلى الوراء. مع ذلك فلدى علي فنه الخاص في إلقاء الشعر وغالباً ما تجد ابتسامة خفيفة على زاوية من فهمه وهو يهز رأسه للأمام ويومئ بأصبعين تجاهك ويردد أبيات ابن جدلان :

ون ابن جــــدلان مــــن لايــــعٍ لاعــــه – كــــن فــــي صدري دوافــيــر صـنــاعــي
ألــعـــب الـمـنـكــوس وأحـــــب روبــاعـــه – مـمــلٍ فـــي الـوقــت والـوقــت خــداعــي
مـادريـت أن ضحـكـة الـوقــت خـداعــه – شـفــت مـدخـالـي ولاشــفــت مـطـلاعــي
لابـغـيــت أســــج والا انـبـســط ســاعــه – دق قلبي مـن وراء حـدب الأضلاعــــــــي

وعند البيت التالي يتمايل رأسه ويحرك أصابعه مقلداً طابع الآلة :
كــن مــن بـيــن الـضـلـوع آلـــة طـبـاعـة – تـشـتــغــل لانـــمـــت وأقــــــوم مــرتــاعــي
أما عند البيت الذي يليه فيضع يده اليسرى على رأسه وينحني قليلاً للأمام ويومئ بيده الأخرى ويضحك وهو ينطق تفرتساعه. على الطريقة النجدية:
لا أنــــس الـبـنـزيــن عــجـــلٍ تـفـرقـاعــه – مـخـطـرٍ مـــن سـرعـتـه يـقـلـع أقـلاعــي
هذا التلاقي العفوي الودود الذي جمع بين هؤلاء الرجال يوحي إليك أن الحياة بأسرها منشغلة عنهم بشيء آخر! .

خروف حيران يغني شجي ..

فجأة وبدون أي مقدمات وجدت أن الجميع قد نهضوا، حينها شعرت بأن النية مبيتة لعمل شيء ما ؟ رأيت الراعي سليمان بسحنته السمراء، يسير في الظلام وبيده كشاف، يبدو وكأنه مهندس إضاءة يبحث عن المخرج ! بينما أقبل علينا عبد الوهاب يسعى ممسكاً بآلة في يده، توحي لك بأنها صنعت في الأيام الأولى من القرون الوسطى! أو ربما السلاح الذي استخدمه هابيل في قتل قابيل؟ عبارة عن سلك مثبت في إطار من الحديد الحاد المصدّي، يستخدم في قص قرون الأغنام المسكينة. هرعنا جميعاً إلى داخل الشبك حيث الخروف المسكين الذي تم عزله، فأمسكنا به وهو حيران وخائف، وبسرعة فائقة نفذ عبد الوهاب العملية بدقة متناهية وقص قرن الخروف فسال قليل من الدم، لكن الجماعة اعتبروه أمر عادي وأكدوا على نجاح العملية، ربما الشخص الوحيد الذي لا يشاركهم الرأي هو الخروف نفسه ! وعلى أي حال فلقد مرت تلك العملية بسلام و بدون علم المنظمة العالمية بحقوق الحيوان والتي ليس لها وجود في هذا المكان من العالم ، ناهيك عن حقوق الإنسان نفسه التي لم تتأسس إلا منذ أشهر قليلة! ثم عدنا إلى النار واستأنفنا الحديث.

ولادة متعسرة ..

تلك الليلة كانت حبلى ويبدو أنها لم تقذف بكل ما في جعبتها؟ فما هي إلا لحظات حتى أنسل عبدالله من بيننا بمفرده وانتبذ مكاناً قريباً من الأغنام، ربما ليتفقدها ؟ والتي تجمعت في منطقة منخفضة ومنبسطة بالقرب منا، المنطقة فيها القليل من الأعشاب الصغيرة التي نبتت في غفلة من الجفاف. عبدالله يريد التأكد من أن الأغنام قد اختارت مكاناً مناسباً للمبيت ولربما كان هناك شيء يلوح بالأفق ؟ فبينما نحن نتسامر حول النار، كان عبدالوهاب كالعادة يتولى إدارة الجلسة، وبين الحين والآخر يحاول علي التدخل في شئونه بتحريك النار وإثارة الدخان أو بتغيير أي شيء وضعه عبد الوهاب، بينما هو ملتزم الصمت و مقطب الحواجب فمشاغبة علي لا تمنعه من الاستمرار في أداء دوره بطريقة فيها الكثير من الدقة والقليل من الأخطاء، فحركاته في تناول الدلال و الفناجيل فيها تلقائية عجيبة، حركات رصينة ومتزنة و غير مستعجلة و لا مترددة، بينما يواصل علي مشاغبته بالخروج عن موضوع الحديث، أو بالعزف المنفرد على مقام السيكا ! أي الانفراد بشخص ما بينما حديث الجلسة يدور حول موضوع آخر! وبين الحين والآخر يرمي علي بطرف بيت شعر إلى عبدالوهاب فيكمل بأبيات للشيخ راكان :

سلة صقيل الهند في كف يمناك – قضبة ضماده ما تجي بالمناوي
والله ما تعطيه يمناك يســــراك – لشفت فعله في عظيم البلاوي

وبينما نحن جلوس، سمعنا صوت شاة تتألم و تضطرم و تطلق الصيحة تلو الأخرى و كأنها تطلب النجدة من شدة آلام المخاض، وكان عبدالله بالقرب منها،لا نرى من خلال الظلام سوى سيجارته تضيء جمرتها وتنخفض بقدر ما تتألم الشاة، واتجهنا جميعا إليه بخطى بطيئة لكي لا تنفر الأغنام وهي في المبيت ، وهو قد شمر عن ساعديه ولف غترته حول رأسه “شيرمبو” وهو جالس في وضع المتحفز ونحن من حوله، و كلما اقترب من الشاة اقتربنا، بعدها جرى حديث ومداولات بين الأقطاب الثلاثة، فقدم علي تقريره عن الحالة على عجل، وأيده البقية بأنها من الناحية الإكلينيكية تعتبر حالة ولادة متعسرة تتطلب التدخل السريع. ثم أمسك عبدالله برأسها و عبد الوهاب من الخلف يحاول إخراج الجنين، أما علي فقد تربع و أمسك بأرجل الشاة الأمامية مطأطأً رأسه وهو يقول إن شاء الله فيها اثنين أو ثلاثة ! ثم عشنا ثواني معدودة من الصمت والترقب .. و فجأة قال عبدالوهاب أعتقد أن الجنين ميت؟ وكأن ثعبانا لسع عبدالله، فلم أستطع حينها متابعة ماذا حدث، فالأمر مر بسرعة البرق و اندفع عبدالله وأخذ مكان عبد الوهاب، و بحركة خفيفة و سريعة أخرج الجنين الحي غاضباً ومحملقاً باتجاه عبدالوهاب، مردداً مقولته قال ميت.. قال .. بعدها تنفس الجميع الصعداء وبدأ غضب عبدالله في التراخي، فحمل الجنين بين ذراعيه وتبعته أمه إلى المكان المخصص للمواليد.لقد كانت ليلة حافلة بالأحداث، أبطالها مهندس مياه خريج جامعة توسان الأمريكية، والثاني ضابط بحري يعمل في السلك الدبلوماسي، والثالث جامعي درس المحاسبة، يقفون على أعتاب القرن الواحد و العشرين، عصر الاستنساخ و الإنترنت و الفياجرا، تجمعوا جميعا، و استخدموا كافة إمكاناتهم العلمية و العقلية، و قاموا بتوليد شاة و قص قرن خروف !

الجلال العنابي ..

الوالد غالباً لا يقدم النصيحة إلا إذا طلبت منه، ويحتاج صاحب الطلب إلى قدر كبير من الإلحاح، إلا أنه يرى أن الأخوين يمارسان أعمالا أقل بكثير من مستواهم العقلي والعلمي، فهو يرى أن عبدالله تنازل عن الكثير بسبب حبه لهذه الهواية، فبدلاً من أن يكون وزيرا أو وكيل وزارة على الأقل انصرف إلى هواية رعي الأغنام، أما عبد الوهاب يرى بأن له دور اجتماعي كبير يضعه في مقدمة رجالات الإحساء. فعلى أي حال فكلاهما بالنسبة للوالد مثل الطيار القادر على قيادة طائرة بينما يصر على ركوب دراجة . بين الحين والآخر يزورهم عند الحلال،ترتسم ابتسامة تعجب على وجهه عندما يرى البيالات والفناجيل تغسل في طاسة ماؤها عكر! والأدهى والأمر بأنني رأيت علي يوماً من الأيام ممسكاً ببيالة ويغرف من تلك الطاسة ليتوضأ للصلاة! يعود الأخوان إلى البلد بعد صلاة العشاء ليتجدد اللقاء صباحاً في بيت الوالد على مائدة الإفطار. قبل الثامنة صباحا تكون الوالدة أول الحاضرين وقد جلست و لبست الجلال العنابي المنقط ،واتخذت لها موقعاً يمكنها من الإطلاع عن كثب على جميع ما يدور في الصالة. الهاتف عن يمينها والمسجل عن شمالها وتستمع إلى إذاعة القرآن الكريم تسبح وتهلل معها ، والنور ينبعث من وجهها المشرق وكأنها الشمس وضحاها ، والخادمة “خمسيا” تجوب أرجاء المنزل مبتسمة ومرفوعة الرأس وكأنها إحدى الجواري في قصر هارون الرشيد، وتمر أمي “فاطمة” عابرة وتلتفت إلينا نصف التفاتة وكأنها تمشي على السجاد الأحمر لتستعرض حرس الشرف! ثم تغلق الخادمة “جهيتي” باب المطبخ وهي إشارة إلى أن وقت طحن القهوة أو عصر العصير قد أصبح وشيكاً . أما الوالد فتجده قد لف إزاره بطريقة محكمة ولبس الفانلية النصف كم والطاقية تهبط أحيانا إلى أسفل جبهته وأحيانا يترك لها الحرية تتمايل كيفما تشاء وكأنها تتحرك بشكل ذاتي. بين الحين والآخر يمر على مقاييس الحرارة الموزعة في أماكن مختلفة وبالأخص المثبت على جذع الشجرة ، أو يجلس في المجلس يقرأ القرآن أو يتصفح كتاب ثم ينهض ويحاول واقفاً لتصفية محطات التلفزيون ، ذلك الجهاز التعيس الذي يعاني من أمراض مزمنة مثل اهتزاز الصورة ، التشويش وعمى الألوان وما شابه ذلك .. وما يلبث أن يمل و يطفئه. ثم يجلس بعد أن يحيينا جميعا، ألتفت أنا إليه وأسأله عن حاله ؟ فيرد على الفور لا تسأل عني! وهو يشير بإصبعه إلى الوالدة، إذا كانت هذه المرأة بخير فأنا أوتوماتكيا بخير .. ربما الوالد يعرف المثل الذي يقول .. إذا أردت أن يرضى عنك أولادك اجعلهم يشعرون بحبك لأمهم … ! والوالدة تبتسم وتلتفت إليه وتقول لقد شبعنا من هذا الكلام ، ثم أسأل الوالدة عن حالها فيرد هو عنها ويقول .. لا تسأل عنها .. إنها صحيحة جحيحة … لا أعرف ما أصل هذه الكلمات وكل ما أعرفه إنها إحدى المصطلحات الخاصة بالوالد ! في أحد المرات حضر الوالد أحدية الدكتور راشد المبارك وكانوا يناقشون الشعر الحر أو التفعيلة، فقال إن هذا ليس شعر، وإنما هو عبارة عن” شماطيط” فضحك الجميع وقالوا سوف ندون هذا المصطلح العجيب .وفي هذا الأثناء نسمع اهتزاز خفيف لباب الخشب الخارجي، و خطوات لأحذية لها صوت يشبه الصوت الذي يصدر عن احتكاك ، ثم يطل علينا ويقول السلام عليكم يارجال، ويخلع غترته ويصففها بطريقة فنية ، ثم يتجة نحو المكيف ليضبط توجيه الهواء ويتحسس البرودة، وملامحه تبدو غير راضية عن مستوى التبريد ، ثم يسأل متى فتحتم هذا المكيف ؟ فمنذ فترة أصابت عبدالوهاب حمى المكيفات ولازالت تعاوده بين الحين والآخر ! وفجأة نسمع صوت خطوات بثينة وهي تهبط من السلم وعلى الفور تحيينا وتسأل ماذا تريدون يا جماعة ؟ فيقول الوالد نتمنى أي شيء من يديك الكريمتين ، ثم تقتحم بثينة المطبخ لتضبط إيقاع العمل هناك ، وتتحول الأصوات المزعجة إلى مأكولات ومشروبات منعشة، وتعود إلينا بصينية محملة بما لذ وطاب. بعدها تبدأ بثينة في تقديم الخدمات وأمي تعطيها التوجيهات عن بعد عن طريق إرسال النظرات لتفهم بثينة ما هو المطلوب؟ نعم صدق من قال الحر تكفيه الإشارة . ثم تأخذ بثينة نفس طويل وتهز رأسها وتغمض عينيها، وهي تنظر الى أبي وأمي وتدعو لهما بطول العمر ، وتلتفت إلينا وتقول ما رأيكم في هذين القمرين ؟ ثم يلتفت إليها الوالد مؤنبا وهو يقول .. ما علينا من هذا الكلام، خلونا في المهم، هل يرضيكم هذا الوضع الذي نحن فيه ؟ لا نستطيع متابعة أخبار العالم أو مشاهدة أي برامج مفيدة … يا بنت الحلال مجرد صحين “دش” نتابع من خلاله الأحداث التي تدور في العالم.. ثم تهز بثينة رأسها وهي دلالة على الرفض القاطع، وترتعش عيناها وتمسح بيدها على شعرها وتتراجع إلى الخلف وهي جالسة، وتنحني قليلا إلى الأمام، وكأنها تستجمع جميع مافي جعبتها. ثم ترفع رأسها معلنة بداية الحرب الباردة ! الحرب وليس إلا الحرب على الدش ثم تقول يا سلام تريدون أن….. فتقول في “الدش” ما قال مالك في الخمر ، حوار فيه القليل من الحدة والكثير من المرح ، فالوالد غالبا مايستخدم لياقته النفسية والعقلية في إدارة الحوار ، وبثينة تصعد الموقف وفي نفس الوقت تحاول الزج بعناصر المرح لترطيب الجو ، والوالدة تتبسم و لاتخفي تأييدها لبثينة، وينتهي الحوار بنهاية مفتوحة … ثم تنهض بثينة على الفور لتعود بعد قليل بصينية الفاكهة، تضعها أمامنا، لتضع حدا فاصلا أو هدنة لهذه المعركة ! فكما يقول فقهاء القانون الدولي، إن الهدنة لا تنهي الحرب وإنما هي توقف مؤقت للعمليات القتالية ، وهذا هو الذي يحدث هنا بالفعل .بعدها يلتفت الوالد على من عنده ممازحا ويقول .. لا بد من الاستعانة بآمال “رفيقة بثينة في محاربة الدش” ! ثم يشبّك ذراعيه فوق رأسه ويسند ظهره وينظر إلى الأعلى وكأنه يحاول أن يقرأ ما سيقول ثم يعقب … كالمستجير بالنار من الرمضاء !. ثم تطلق بثينة ضحكتها العالية فعدم التوصل إلى قرار يعتبر انتصارا وشيكا بالنسبة لها . ولكن فيما بعد أدرك الوالد بأن خطته لم تعد تجدي نفعاً، فقلب إستراتيجية اللعبة رأسا على عقب، مستخدماً سياسة التظاهر بالزعل وبعدم الرغبة في الجلوس في البيت كوسائل ضغط! وبإطلاق عبارات التأفف، مثل ..نحن من دون الدش لا ندري ما يدورحولنا في العالم ؟ نحن في سجن ! وما هي إلا ايام معدود وبدعم خفي من خلف الكواليس من قبل الوالدة، تهاوت حصون بثينة المنيعة، وفضلت الانسحاب الاختياري على الانسحاب الإجباري، فهي تعرف الخطوط الحمراء ولاترغب في تجاوزها، وبالتالي رضي الوالد عن الصحابة “بثينة وآمال” وتحول الهجاء إلى مديح ، كان بإمكان الوالد أن يأتي بالدش بدون رضا بثينة، إلا أن هذا التصرف يتنافى كلياً مع شخصيته ، فكما يقال … خيط الرضا أقوى من طوق الحديد .

احمد الموسى
بطيء عنك إذا ما استغنيت عنه طلاّع عليك مع الخطوب …

بين الحين والآخر يطوف عليهما أحمد، فهو ابن عم وصديق حميم، يصفه عبدالله معبرا على طريقته ” أن أحمد أبرد على الكبد من ماء المطر على الأرض” وهو يشكل العامود الرابع في جلسة الحلال مع عبدالله وعلي وعبدالوهاب . المحبة والكرم والفضائل والأنس، هي أمورٌ جمعت بين هؤلاء الرجال .فعلى الرغم من مشاغله الكثيرة في الأعمال التي نجح فيها نجاحاً باهراً، كذلك إنتخابه نائباً لرئيس المجلس البلدي والذي جاء بنتيجة ساحقة وبفارق هائل بينه وبين منافسيه. فكلما ضاق ذرعاً بتلك الواجبات لا يجد له متنفساً سوى الجلوس مع الأخوين عند الحلال، فسر شخصية احمد في بساطتها وفي ذكاء خواطره، فلسانه عفيف يقفز من فوق اللغط بلباقة وبكل رشاقة. هبت عاصفة رملية ذات يوم، ولم يكن عند الحلال سوى عبدالله وعبدالوهاب، وفجأة أقبل عليهم أحمد، فاستغربوا من مجيئه في هذا الجو، فلما سألوه لماذا جئت في مثل هذا اليوم؟ فرد عليهم قائلاً .. لقد قلت لنفسي بأن الأخوين لن يأتيهم أحد في هذا الجو المغبر، فجئتكم بغرض المؤانسة ! حقاً إذا شئت أن تتعرف على صديق، فعليك أن تتفحصه تحت ظروف قاسية وليس تحت وهج ويسر الحياة العادية . هو من الناس الذين يسعدون بخدمة من حولهم،لا يتوانى عن تقديم المساعدة لمن هم في حاجة إليها في أي وقت من الأوقات ، دائماً تجده متحفزاً ومستعداً لطالب العون، بغض النظر عن الظرف الآني الذي يعيشه. في الصغر كان يدعى أحمد بن حنبل كرمز للتشدد وهو في الحقيقة رمز، لكن للطيبة والتسامح. فقبل الصحوة وأثناء الثورة الجنسية التي اجتاحت العالم في الستينات وتلقفنا صداها عبر المسلسلات المصرية، كان أحمد هو الملتزم الوحيد بيننا،يصلي في المسجد ويحفظ الأحاديث والروايات التاريخية، كان رأسه ثقيل بالأحلام والطموحات، بأن يكون الناس أكثر تمسكاً بدينهم،في زمن لم يكن لدى الشباب اهتمام بتلك الأمور إلا فيما ندر، فلم يكن يقصد المساجد آنذاك سوى كبار السن، وانكمشت عبايات النساء من أعلى ومن أسفل! تكشف عن أذرع شبه عارية ومؤخرات بارزة،وباتت المحجبات يعرفن بالأسماء من ندرتهن، في وقت بلغ فيه التسامح الأخلاقي إلى درجة أن البنات لا يضعن الحجاب أمام القريب على اعتبار أنه ليس أجنبي ! كذلك اعتدنا النظر إلى النساء في الأعراس من فوق السطوح وهن بكامل زينتهن، مع ذلك لا يبدين إلا قليلاً من الرفض، بينما أحمد يقف لنا بالمرصاد ليمنعنا، مستخدما القليل من الخشونة والكثير من التوجيه. ثم جاءت الصحوة بتبعاتها، فوقف منها موقف المعجب الحذر، يسعفه في ذلك دبيب الرشد الذي كان يسري في عروقه. إن القرب من أحمد فيه تهذيب للأخلاق وترسيخ لمعاني الصداقة، يقول الفيلسوف مسكويه “الصديق شخص آخر هو أنت” كذلك هو أحمد. فلقد جاء عليه حين من الدهر، صارع فيها الأيام فغلبته وغلبها، يتغذى من الأحداث الجارية والواقع اليومي بقدر ما يتغذى من الكتب،فكلما تقدم به العمر تزايدت عليه إعتداءت الدهر والبشر بينما هو يزداد لمعاناً. حاز على درجة الدكتوراه في تخصص علمي دقيق و قد تجاوز الخمسين، فأثبت بما لا يدع مجالاً للشك، أن الانسان ينضج ويصنع نفسه بالصراع ضد التحديات. بل إن ما يزيد إعجابي بأحمد هو نكران الذات والفهم العميق لأدب الاختلاف، فإذا اختلف مع أحد من الناس، يحاول أن يضع نفسه مكان الخصم، وهذا أمر لا تجده إلا في القلة من الرجال. ورث أيضاً من والده فن التفاوض في حل القضايا الحساسة التي استعصت على غيره،فقبل أن يدخل في المشكلة يسلك ممر مائي هادئ، إن عبره صار في صلب الموضوع، ثم يبدأ التفاوض بالاتكاء على وسائد ناعمة وبمنأى عن المياه الخطرة، يهدهد الطرف المتصلّب بالمنطق أولاً وبالدلائل عند اللزوم، ويغلّف كل هذا بفكاهة محتشمة، فيُبرّد المنطقة المحيطة بالخلاف، ثم يبدأ في إغلاق منافذ الاختلاف بأريحية وإحكام، وبالتالي يحكم الطوق على العضو الملتهب. كما أن حديث أحمد مع الناس، ليس له مثيل، ويترك أثرا لا يُقاوم، ففي أثناء النقاش، تجده ينير عقول الآخرين، بحيث يغرس فيها فكرة ، موحيا لهم بأنها من بنات أفكارهم.فهو مهندس معماري ولكن ليس كأحدٍ من المهندسين، قد يقول لك مهندس آخر بأنك لا تستطيع إضافة طابق فوق بيتك بسبب ضعف القواعد والأعمدة، بينما يقول لك أحمد بأن هذا ممكناً ثم تكتشف بأنه على حق! فعلم الهندسة بالنسبة له، ليس مجرد حسابات ونظريات محفوظة في مخزن معلومات، بل فن وتحليل علمي مبني على المشاهدة والتجربة، فأعقد الأمور في نظر غيره تنحل عنده في ثواني، يقدم الحل ببساطته المعهودة وكأنها دردشة،خالية من المصطلحات الهندسية المعقدة، فلديه من اللياقة الذهنية ما يكفي مهما اختلف حجم المشكلة،من الممكن أن يقدم لك استشارة في إقامة جدار صغير في عريش في النخل، ومن الممكن أيضاً أن يقدم حلاً يحدث تغييراً جذرياً في مشاريع عملاقة، كما فعل في مشاريع عديدة في الإحساء، عندما أدخل نظام “الخوازيق الخراسانية” في الاحساء ولأول مرة للتغلب على مشكلة هشاشة الأرض. فإبداع الخيال العلمي لديه، مكنه أيضاً من الفوز في مسابقة تصميم فندق الإحساء كونتنيتال من بين 12 مكتبا هندسيا في المملكة تم اختيارهم بعناية فائقة، هذا الصرح الرزين والبارز للعيان، الذي يكاد أن يرد الطرف وهو كليل! لا يزال يعتبر أفضل تصميم فندق في المملكة. كما أن أحمد يتمتع بخيال خصب يسبح في كل اتجاه والأفكار تخرج منه و كأنها تتوالد الواحدة تلو الاخرى، تشعر أحيانا بأنها قد نضبت، إلا أنك تفاجئ بأنها عادت بكل قوة وكأنه استدعى ذكائه الاحتياطي. طبعاً لا يسلم من قفشات وتعليقات عبدالله، الذي لا يسلم منه أحد! عندما يُمسك عبدالله على أحد كلمة تضحك عيناه أولاً، ثم يلتفت إلى منهم في الناحيه الأخرى بابتسامة خفيفة مع رمشة عين، تكون كفيلة بإشعال فتيل الجلسة، ليجد صاحب الكلمة نفسه في مأزق هزلي ! لو قال شخص آخر ما يقوله عبدالله للناس لكانت سبباً أكيداً في إحداث قطيعة، لكنها على لسانه تكون برداً وسلاما على الآخرين، يخيل إليك أن الشخص الذي سوف يَغضب من عبدالله لم يُخلق بعد !حتى المطاوعه طوّعهم بل وطوّحهم على الرغم من حساسيتهم المفرطه تجاه آرائهم! يعلق على ثيابهم ولحاهم ويصدمهم في أفكارهم، مع ذلك تجد ردهم الوحيد هو الابتسامة. يقول لهم أن كلمة علماء أي “ساينتيس” بالإنجليزي، المقصود بها علماء الطبيعة وليس علماء الدين، لذا فمن الخطأ تسميتهم بالعلماء! بحجة أن الأديان الأخرى مثل المسيحية لديهم الأب والقس والكاردينال جميعها مسميات لمراتب خاصة برجال الدين، أما أنتم فابحثوا لكم عن اسماً آخر . جُبل على التصرف وفق رأيه الخاص، فأصبح منتجاً لأفكار ومفاهيم غالباً ما تكون مثيرة للجدل والسخرية معاً! مع ذلك فله ومضات شعرية رائعة من هنا وهناك على الرغم من من قلة الحفظ لديه، فما يحفظه هو مجرد نتف من الشعر لكنها عبارة عن مفاتيح . يتجنب الركوع الى المسلمات السائده، ويتلذذ في الإطاحة بالمفاهيم الشائعة بين الناس حتى لو تحدّرت منذ مئات السنين ، كما هو الحال بالنسبة للشعر والفن ، فلقد طعن الشعر الجاهلي في خاصرته، عندما وصف شعر امرؤ القيس بأنه ركيك، بل وسخر من بيته الشهير “كجلمود صخرٍ حطه السيل من علٍ” ! منتقداً هذا التصوير البشع للحصان، وأحسب أن الدكتور راشد المبارك المفكر والفيلسوف المعروف يشاركه هذا الرأي. كما لم ينجو منه “فنان العرب” محمد عبده على الرغم من شعبيته الضاربة، يصفه بأنه ممل وينعته بالفشل. حتى الأمثال العربية، انتقدها كالمثل الشائع ” الصيف ضيعت اللبن” بأن الرابط بين القصة والمعنى هزيل ولايستحق هذا الانتشار.

الغضب النبيل ..

لقد عشنا أنا وعبدالله لحظات طفولة ظريفة وساذجة تشبه درب الزلق! غضب علينا الوالد في يوم من الأيام، علماً بأن المرات التي غضب فيها الوالد لا تكاد تعد على أصابع اليد الواحدة ، يا ترى هل كان الوالد حينها بالفعل غاضبا ؟ أم كان يحاول التمرد على شخصيته الهادئة والرقيقة، ليخرج من دائرة الهدوء والطمأنينة التي يعيشها فيها ! لحظة غضب ممتعة وظريفة، خليط من الدراما والكوميديا . كان الوالد في أوائل الستينات يعمل في البرقيات في الصباح وبعد الظهر يعمل في بريد المبرز في عمارة صالح العفالق (أبوكميّخ ) الواقعة داخل سوق المبرز، في العصر نذهب معه إلى البريد ونجلس على كراسي ونقابله وجها لوجه ، بينما هو يجلس على طاولة ويأتيه الناس ويعطونه رسائل ويأخذ منهم قروش ويرميها في علبة معدنية فارغة ، وكلما قذف بقطعة من النقود في العلبة أحدثت صوتا له رنين تجعلنا نهتز ونتحرك ويحملق الواحد منا في الآخر ، ثم نبدأ التناوب في ترديد سيمفونية مملة ومزعجة … أبوي عطنا أربعة قروش …. وعلى هذا المنوال نرددها مرارا وتكراراً، حالة يا رجل .. تجعل أي أب في الدنيا ربما يفكر في الانتحار! ولعله سئم منا ومن أصواتنا النشاز ، وحدث نفسه قائلا ماذا أفعل بهؤلاء؟ قلة حياء ، أشكال غلط وإزعاج، ثم دنت ساعة الصفر التي لم نحسب لها حساب ،وسدد ضربته الأولى إلى عبدالله بكف أخذه على حين غرة ، كان وقتها سرحان ربما كان يفكر في الغنم ! أما أنا فحاولت الهروب العشوائي والنفاذ بجلدي ولكن الوالد قام بعملية مطاردة تمكن من إعاقتي عند السلم وقصفني من الجو بكف على قفاي جعلني أقفز عتبات السلم أربع …. أربع . بعدها تدحرجت ووجدت نفسي ممددا أسفل السلم وقد انفرجت أرجلي على شكل سبعة وتجمعت ثيابي والتفت حول عنقي. نزل عبدالله وهو يبكي وفي يده نعلتي بينما الأخرى كانت تحتي، فنهضت باكياً من بين الأنقاض، أنفض الغبار عن ثيابي، وبمجرد أن نظر الواحد منا للآخر تحول البكاء إلى ضحك هستيري ! قمة في السذاجة ! حقيقةً يقع اللوم على الذي يلوم الوالد فينا . رجعنا إلى البيت، بخفي حنين وكبقايا جيش مهزوم، ولسان حالنا يقول ضرب الحبيب مثل أكل الزبيب.

كيف تجعل السعادة تنطح بابك ..؟

يعجبني في الأخوين الأريحية في التعامل مع الرعاة ، يمنحونهم الفرصة في الجلوس معنا بطريقة عفوية وبمنأى عن مفهوم السيد والخادم، فتلك أحد الفضائل التي تجود بها مهنة رعي الأغنام في وجدان أصحابها، فالأوامر مسبوقة بعبارات التودد وهم ينفذونها بكل إمتنان، فما يمارسه عبدالله وعبدالوهاب مع الرعيان يُغني عن الكثير مما يُقال ويُكتب بشأن التعامل الإنساني. فلا يمكن أن تغيب عن مخيلتي الراعي محمد حمد، الرجل المبتسم على الدوام والمقبل على الحياة بقناعة ورضا عفوي، فلا غرابة , فمهنة الرعي بحد ذاتها كفيلة بأن تجعل السعادة وبغزارة تنطح بابك ! رأيته أول مرة في أوائل الخريف من عام 99 م عندما كان الحلال على طريق العقير، وحيدأً مع الأغنام، يجوب الفيافي والوديان، تراه من بعيد هو والقطيع عبارة عن كتلة سوادء تزحف ببطء، بينما هو جالسٌ بجانب الحمار يراقب ومن حوله المراييع(مجموعة من الخرفان تم إيهامهم منذ الصغر بأن الحمار هو امهم فيتبعونه وبالتالي يسير بقية القطيع خلفهم تبعاً لنظرية القطيع)  جلسنا أنا والأخوان في انتظاره عند العربة التي ينام فيها، كان طيفه من بعيد يرقبنا ويوحي بأنه كان مستبشراَ بقدومنا،ثم أقبل علينا وهو على حماره يحمل بين ذراعيه طلي ولد للتو، بينما أمه كانت تهمهم وتسير خلف الحمار، كان يدنو منا بعمامته وبثوبه الفضفاض وقرص الشمس يلامس الأفق من ورائه ،هذا المشهد السريالي استقر في ذهني وطاف بمخيلتي إلى زمن الأنبياء والرسل،تخيلته عزير الذي ذُكر في القرآن، أو أحد الشخصيات التوراتية التي وردت في الإسرائيليات! تمتلك تلك الصورة من الأسباب التي تجعل الإنسان يتخيل أنها منذ آلاف السنين. عندما أصبح على بضع أمتار منا استعان بساقيه الطويلتين للنزول من الحمار، وترك الشاة وحملها الصغير الذي كان يحاول الوقوف بغية التمكن من ضرعها ، بينما هي انشغلت تلعقه من رأسه حتى رجليه. أقبل علينا مبتسماً وصافحنا بحرارة وهيئته تشع بالقناعة والرضا ، وأشعل النار وبدأ في إعداد القهوة مسترسلاً في الحديث والمرح، فاجأني عندما أخرج من كيس العلف حفنة من الدقيق ! فكومها على طرف الكيس وسكب عليها قليل من الماء وشرع في عمل خبز البر، جهّز عجينة الخبز ثم دسّها بين الجمر والرماد! تركها للحظات ثم أخرجها من تحت الأنقاض!وضربها بيده عدة مرات ليزيل الركام العالق فيها،ثم قدمها لنا وقال بسم الله! فسألت الأخوين بتعجب! هل سنأكل نحن من هذه الخبزة؟ فهزوا رؤوسهم بالإيجاب، فقلت لهم كنت أظنه يريد أن يعطيها الشاة ليخفف عنها آلام الولادة،فضحك الجميع وأكلنا خبزة محشية رمل وبنكهة الرماد، ودعنا محمد وأنا على يقين بأن من يعتقد بأن ما يمارسه عبدالله وعبدالوهاب هو مجرد رعي أغنام كمن يطوف بظاهرالأشياء ولا يغوص فيها وان الحياة لازالت تحتفط ببرائتها ..

أضف تعليق