ارامكو .. ابو سفير وضيوفه ..

ارامكو … ابو سفير وضيوفه  ..

 “أبو سفير” فيه من حس الدعابة اضعاف ما فيه من الطيبة، وصاحب قدر هائل من النوادر اللطيفه، وكان طالعه في الصغر من أكثر الطوالع إثارة للمأسي والفكاهه. فلقد نشأ يتيم الام، فلم يتلقى قدرا كافياً من الحنان، فعاش رايح جاي بين بيت والده وبيت اخيه الاكبر، يحمل صندوق على رأسه، تتراقص بداخله احلامه الوردية، وكأن قدره إرتبط بقدر هذا الصندوق، مع انه لا يحتوي إلا على القليل من سقط المتاع! فاينما يضعه يكون مكان فراشه ومنامه.مع ذلك فلم تعييه الحيلة عن مكابدة الحياة، فعقليته المعيشية سريعة التدبر والزوغانً، يعرف مواعيد الوجبات الدسمه في بيت اخيه، فيهبط عليهم قبل الوجبه بقليل، متظاهراً ان حداً ما قد زعّله في بيت ابيه! يجلس اخيه مع عائلته حول السفرة، بينما يرزح هو قريبا منهم، يُفرقع اصابعه لشد انتباههم، ثم يلتفت اليه اخيه .. تفضل شاركنا ؟ فيرد لا مشكور أنا تغديت امس! فيضحك اخيه ويلزم عليه اكثر، عندها يكون هو قد نال مبتغاه، فمزيدا من التلزيم يفسح الطريق امامه باتجاه الوجبه. فعلى الرغم من اليتم المبكر والمعاناه، اقبل على الحياه بأريحيه ومرح، فتعلم وثابر وشق طريقه متشبثا بحبال الصبر، ودهس على الاشواك معتمدا على ارادته الصلبه واصراره الذي لا يعرف حدود، فبدأ حياته موظفا في ارامكو ثم اصبح رجل اعمال ناجحاً فيما بعد.كان “ابو سفير” قبل الطفرة الاولى من عام  70 مـ يسكن في غرفتة الصغيرة في “انترميديات” الظهران، يرسم الخطط، ويحيك المؤامرات وينفذها على مهل. يستقبل الضيف وهو على حال، ويودعه وهو على حال اخر! فلا يغادر إلا وبطنه مليء بما لذ وطاب، وجيبه فارغ حتى النخاع ! فبمجرد ان يهبط عليه الضيف المسكين، يقف امامه مبتساماً، وشاخصاً بعينيه الضيقتين للاعلى، وبصوت دافيء ومبحوح ،يطلب منه بأن يخلع ثوبه ليستريح من عناء السفر! فتبدأ معاناة الضيف المنكوب من تلك اللحظة، التي يُعلق فيها ثوبه على مسمار من وراء ساتر. وماهي إلا ثواني معدودة وتُفرّغ جيوبه ويُشترى له بها غداء شهيا .. حل ابوطارق وابو عوف وابوخالد ذات يوم ضيوفاً عليه. فانفرجت اساريره على اعتبار أن هؤلاء صيداً سميناً. وكالمعتاد طلب منهم تعليق الثياب! نظروا اليه و لسان حالهم يقول .. ليس على هامان يا فرعون؟ فهؤلاء عندما تلمع خاطرة في عيني احدهم سرعانما تصير فكرة في دماغ الاخر، ثم تتحول الى خطة شديدة الاحكام لا تقود إلا الى النجاح المحقق. فشكروه بكلمات ظاهرها ناعم واملس وباطنها مزيف، وابدوا له رغبتهم في شرب الشاي قبل كل شيء، وأنهم سوف يفكرون في مسألة تعليق الثياب لاحقاً !فانطلق يذرع الاسياب باتجاه المطبخ ليعد لهم الشاي، وفي تلك الاثناء انسل احدهم ودخل من وراء الساتر، فوجد خمسين ريال فنتشها من جيبه . فبمجرد أن اقبل عليهم بصينية الشاي، مد له ابو طارق الخمسين، فتمنع تمنع الولهان ثم أخذها، فغمره سرور بالخمسين وهي تتلعبط بين يديه ، يعادل القلق الذي انتابه بسبب قدومهم عليه! فعلى الفور وضع شريط سميرة توفيق في المسجل واخذ يردد معها ” يا هلا بالضيف ضيف الله .. عحساب الروح اي والله” وهم يصفقون ويرددون عاش ابوسفير ..عاش وهو يتمايل واقفا ويرد تبقى .. يا ابوطارق .. الله الله .. اي والله . ثم هب واقفاً امامهم يسألهم، وقد طفح وجهه بعلامات الرضى والامتنان، ماذا تفضلون ياجماعه؟ لحم او دجاج ام سمك؟ تدللوا ترى ما عندنا اغلى منكم !فقال له ابو خالد وبكل برأه، نحن ضيوف والضيف في حكم المضيّف! سمعها فدب الحماس في اطرافه، فارتكز واقفا امامهم ثم برم كعب رجله في الارض مستديرا برشاقة وانطلق الى السوق. فتك بالخمسين ولم يبقي منها قرشاً، طعام يكفي لعشرة مع انهم اربعة، محدثاً نفسه ” حلال ما هو حلالك جر عليه الشوك” جلسوا معه يتناولون الغداء، وهو يردد عبارات ترحيبيه، وكلما قال كثرك يا ابوطارق، قال له بنبرة مهذبة وإن بدت مرتابه .. بل كثر خيرك انت! بينما هو منكباً يكوّر ويهمّز الرز لقمة وراء لقمه، ويتلذذ بخلطها بقطع من لحيمات الهرفي، فالكبسه على لحم الطلي لا تفوّت، ولا يمكن ان تقارن بغداء الكفتريا الخالي من أي نكهه، بينما مكث الثلاثة يتغامزون ويرددون عبارات أثارت التوجس لديه مثل ” عطه من لحم ثوره” سمعها فغص غصه خفيفه دفعها بقليل من الماء، تلك العبارة جعلته يشتم رائحة مؤامرة لكنه كتمها على مضض،فصار بين الحين والاخر يمسحهم بنظرات وجله و مرتعشة ، نظرات توحي بأن فرحته بالخمسين قد بدأت في التقهقر! بينما هم تعمدوا ان يتركوا مسامير الشك تنغز فيه من كل جانب الى ان تحين ساعة الصفر . بعد ان تناولوا الغداء واستمتعوا بالقيلولة تأهبوا الى الرحيل، فسايرهم وهم في طريقهم الى السيارة، ودّعوه وأثنوا عليه وعلى كرمه الذي ليس له حدود! فركبوا السيارة وادار ابوعوف المحرك، رجل كانت تكرر الدعس الخفيف على البنزين، بينما الاخرى دعست على الكلش الى الاخير، وفي تلك الاثناء، بينما هو واقفا يودعهم بابتسامه صفراء ! أطل عليه ابوخالد من نافذه السيارة، وبضحكة مجلجلة  قال له :رح شف الخميس الي كانت جيبك اذا هي موجودة …! حينها ابو عوف كان جاهزا فرفع رجله عن الكلش وانطلقت السيارة بينما ابو سفير يشتم فيهم وهو يحاول عبثا الجري خلف السيارة فامسك بالصدام الخلفي لسيارة فشاهده ابو عوف في المرايا فبدل (القير) في نمرة ثقيلة فنتعت السيارة وقذفت بابو سفير على الارض … … ثم نهض وهو يلتقط انفاسه وقد خارت قواه وعاد الى غرفته كبقايا جيش مهزوم .

أضف تعليق