على قدر أهل العزم تأتي العزائمُ .. وتأتي على قدر الكرام المكارمُ
ربما قصص الحاضر الذي نعيش فيه والماضي القريب، لا تقل اهمية عن الروايات التاريخية، لذا حاولت بقدر الامكان اقتناص قصص ومواقف لرجال قضوا، كانت مآثرهم مدفونه في ذاكرتي منذ الصغر، فصرت فيما بعد اقدر فضائل هؤلاء الرجال وقررت تدوينها للأجيال القادمة . انها قصة وفاء فريدة، لم نسمع بها ابدا إلا في الروايات والآثار القديمة، علاقه جمعت بين جد وحفيده، هي اقرب الى الخيال من أي شيء آخر، تركت تلك العلاقة فيمن يعرفهما، ذكرى مشاعر عجز الزمن عن تسكينها. فمن الواضح ان كل منهما كان يشاطر الآخر في الكثير من الصفات والمعاني .. إنه بر الصالحين، وكرم الانبياء، والرجوله في أروع معانيها، تجسدت في الجد وحفيده.
جده صالح ال كثير الرجل الذي اشتهر في مجتمعه بالوجاهة والكرم والشجاعه، هو ليس بالبدوي ولا الحضري، ولكنه كان شيئا بين ذلك، إيمان راسخ بالله، وشيم عربيه عاليه، وكرم ليس له حدود … بيته كان ملاذا للأيتام، ومرتعا للضيوف والفقراء، فكما يُقال: عظمة الرجال تُقاس إلا فقط عندما يتعاملون مع الضعفاء. اما حفيده عبدالله، ذلك الشاب الرائع، فقد نشأ منذ صغره في بيت جده، الذي يزخر بكل أصناف الفضيلة، حتى صار رجلا يافعا والحياة قد نشطت من أمامه. فكلما تقدم في السن، ازداد نضجا وتمسكا بالاستقامة، وازدادت ايضا مكانتة في وجدان الناس.
عاش عبدالله وجده متحابين متلازمين لا يفترقا، يجمعهما البر والوفاء والكرم، وسارا معا على الدرب الذي رسمته لهما العنايه الالهيه، باطمئنان وسكينة حتى افترقا، كان عبدالله بين أهله ومجتمعه، بارا متسامحا وممن يمشون على الارض هونا، ينثر البر والمودة فيمن حوله. بلغ به التأدب وحسن الخلق وهو رجل قد تجاوز العشرين، بأن يحمل عمته الرضيعة بين ذراعيه يداعبها ولا يناديها يناديها إلا بعمتي. ذات يوم مر على عمته الكبرى قبل سفره الأخير، فوجدها تخيط الثياب بيدها،فحز ذلك في نفسه حزاً عميقا، فواعدها بماكينة خياطة … ولكن المشيئه الالهيه حالت دونها . الغريب في الأمر ان الرجال في ذلك الزمان كانوا قُساه بعض الشيء على النساء، إلا إن عبدالله لم يكن كذلك أبدا ..! هل هو حاله استثنائيه … لا ادري الله اعلم ؟ حدثني احد اصدقائه المخلصين وقال : بأنه كان صديقا مخلصا يندر ان تجد له مثيل، رزينا قليل الكلام، لا يتكلم إلا معقبا او مجاوبا على سؤال، حتى رئيسه في العمل رجل يدعى : ناصر العساف الذي كان يجله ويقدره ويسند إليه الكثير من مهامه، حزن حزنا كبيرا عندما جاءه خبر وفاته.
عاد عبدالله من سفره إلى المستشفى بعد حادث مروي اليم، أصيب فيه اصابه بليغه، فكاد جده ان يفقد صوابه، بعد ان رآه يحتضر وهو مسجى على السرير الابيض … فجلس جده على حافة السرير، ينظر إلى عبدالله النظرة الاخيره، وقطرات الدموع تبلل لحيته، فالتفت اليه عبدالله ومسح على لحيته قائلا: ارجوك لا تبكي يا جدي … جعل الله يومي قبل يومك … لحظة الإحتضار وسكرات الموت والنزع الأخير، لم تُنسي هذا الشاب الرائع حبه وبره لجده. انها العظه الجنائزية، التي تُعزي فيها الجنازة الطاهره اصحاب العزاء، أودع الجثمان القبر وهو ينفث بروائح من القيم والمثل العليا. توفي عبدالله ولم يرى خطيبته التي دفع مهرها، وعاشت ذكراه في ذاكرة جده … الذي كان يردد دائما بأن في قلبي ورمه على فراق عبدالله، وكان يضع اصابعه في اذنيه، عندما يسمع صوت القطار، ذلك الصوت الذي كان يذكره بقدوم الحبيب عبدالله. رحم الله الحبيبين رحمة واسعة ..